ابن كثير

264

البداية والنهاية

كليب لعمري كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم ( 1 ) فطردهن وقام من فوره وأمر بتخريب ذلك المجلس وتحريق ما فيه . وذكر أنه كان كثير الأدب فصيحا يقول الشعر ويعطي عليه الجوائز الكثيرة ، وكان شاعره أبا نواس ، وقد قال فيه أبو نواس مدائح حسانا ، وقد وجده مسجونا في حبس الرشيد مع الزنادقة فأحضره وأطلقه وأطلق له مالا وجعله من ندمائه ، ثم حبسه مرة أخرى في شرب الخمر وأطال حبسه ثم أطلقه وأخذ عليه العهد أن لا يشرب الخمر ولا يأتي الذكور من المردان فامتثل ذلك ، وكان لا يفعل شيئا من ذلك بعد ما استتابه الأمين ، وقد تأدب على الكسائي وقرأ عليه القرآن . وروى الخطيب من طريقه حديثا أورده عنه لما عزي في غلام له توفي بمكة فقال : حدثني أبي عن أبيه عن المنصور عن أبيه عن علي بن عبد الله عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما مات محرما حشر ملبيا " ( 2 ) . وقد قدمنا ما وقع بينه وبين أخيه من الاختلاف والفرقة ، حتى أفضى ذلك إلى خلعه وعزله ، ثم إلى التضييق عليه ، ثم إلى قتله ، وأنه حصر في آخر أمره حتى احتاج إلى مصانعة هرثمة ، وأنه ألقي في حراقة ثم ألقي منها فسبح إلى الشط الآخر فدخل دار بعض العامة وهو في غاية الخوف والدهش والجوع والعرى ، فجعل الرجل يلقنه الصبر والاستغفار ، فاشتغل بذلك ساعة من الليل ، ثم جاء الطلب وراءه من جهة طاهر بن الحسين بن مصعب ، فدخلوا عليه وكان الباب ضيقا فتدافعوا عليه وقام إليهم فجعل يدافعهم عن نفسه بمخدة في يده ، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه وضربوا رأسه أو خاصرته بالسيوف ، ثم ذبحوه وأخذوا رأسه وجثته فأتوا بهما طاهرا ، ففرح بذلك فرحا شديدا ، وأمر بنصب الرأس فوق رمح هناك حتى أصبح الناس فنظروا إليه فوق الرمح عند باب الأنبار ، وكثر عدد الناس ينظرون إليه . ثم بعث طاهر برأس الأمين مع ابن عمه محمد بن مصعب ، وبعث معه بالبردة والقضيب والنعل ( 3 ) - وكان من خوص مبطن - فسلمه إلى ذي الرياستين ، فدخل به على المأمون على ترس ، فلما رآه سجد وأمر لمن جاء به بألف ألف درهم . وقد قال ذو الرياستين حين قدم الرأس يؤلب على طاهر : أمرناه بأن يأتي به أسيرا فأرسل به إلينا عقيرا ( 4 ) . فقال المأمون : مضى ما مضى . وكتب طاهر إلى المأمون كتابا ذكر فيه صورة ما وقع حتى آل الحال إلى ما آل إليه ( 5 )

--> ( 1 ) البيت للنابغة وهو في ديوانه . ( 2 ) الحديث في البخاري صيد 13 ، 31 وأخرجه في الجنائز ( 21 ) والترمذي في الحج ( 103 ) والنسائي في الجنائز ( 41 ) وابن ماجة في المناسك ( 89 ) والدارمي في المناسك ( 35 ) ومالك في الموطأ في الحج : ( 16 ) . ( 3 ) في الطبري 10 / 202 : المصلى وهو من سعف مبطن . ( 4 ) انظر ابن الأعثم 8 / 308 ، وأما في مروج الذهب 3 / 504 قال : " فقال الفضل بن سهل : الحمد لله يا أمير المؤمنين على النعمة الجليلة ، فإن محمدا كان يتمنى أن يراك بحيث رأيته " . ( 5 ) نسخة كتاب طاهر في الطبري 10 / 203 .