ابن كثير
229
البداية والنهاية
كفى لك فضلا أن أفضل حرة ( 1 ) * غذتك بثدي والخليفة واحد لقد زنت يحيى في المشاهد كلها * كما زان يحيى خالدا في المشاهد قالوا : وكان الفضل أكرم من أخيه جعفر ، ولكن كان فيه كبر شديد ، وكان عبوسا ، وكان جعفر أحسن بشرا منه وأطلق وجها ، وأقل عطاء . وكان الناس إليه أميل ، ولكن خصلة الكرم تغطي جميع القبائح ، فهي تستر تلك الخصلة التي كانت في الفضل . وقد وهب الفضل لطباخه مائة ألف درهم فعابه أبوه على ذلك ، فقال : يا أبت إن هذا يصحبني في العسر واليسر والعيش الخشن ، واستمر معي في هذا الحال فأحسن صحبتي ، وقد قال بعض الشعراء : إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا * من كان يعتادهم في المنزل الخشن ووهب يوما لبعض الأدباء عشرة آلاف دينار فبكى الرجل فقال له : مم تبكي ، أستقللتها ؟ قال : لا والله ، ولكني أبكي أن الأرض تأكل مثلك ، أو تواري مثلك . وقال علي بن الجهم عن أبيه : أصبحت يوما لا أملك شيئا حتى ولا علف الدابة . فقصدت الفضل بن يحيى ، فإذا هو قد أقبل من دار الخلافة في موكب من الناس ، فلما رآني رحب بي وقال : هلم . فسرت معه ، فلما كان ببعض الطريق سمع غلاما يدعو جارية من دار ، وإذا هو يدعوها باسم جارية له يحبها ، فانزعج لذلك وشكا إلي ما لقي من ذلك ، فقلت : أصابك ما أصاب أخي بني عامر حيث يقول : وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى * فهيج أحزان الفؤاد ولا يدري دعا باسم ليلى غيرها وكأنما * أطار بليلى طائرا كان في صدري فقال : اكتب لي هذين البيتين . قال : فذهبت إلى بقال فرهنت عنده خاتمي على ثمن ورقة وكتبتهما له ، فأخذهما وقال : انطلق راشدا . فرجعت إلى منزلي فقال لي غلامي : هات خاتمك حتى نرهنه على طعام لنا وعلف للدابة ، فقلت : إني رهنته . فما أمسينا حتى أرسل إلي الفضل بثلاثين ألفا من الذهب ، وعشرة آلاف من الورق ، أجراه علي كل شهر ، وأسلفني شهرا . ودخل على الفضل يوما بعض الأكابر فأكرمه الفضل وأجلسه معه على السرير ، فشكا إليه الرجل دينا عليه وسأله أن يكلم في ذلك أمير المؤمنين . فقال : نعم ، وكم دينك ؟ قال ثلاثمائة ألف ردهم . فخرج من عنده وهو مهموم لضعف رده عليه ، ثم مال إلى بعض إخوانه فاستراح عنده ثم رجع إلى منزله فإذا المال قد سبقه إلى داره . وما أحسن ما قال فيه بعض الشعراء :
--> ( 1 ) في الفخري : كفى لك فخرا أن أكرم حرة .