ابن كثير

230

البداية والنهاية

لك الفضل يا فضل بن يحيى بن خالد * وما كل من يدعى بفضل له فضل رأى الله فضلا منك في الناس واسعا * فسماك فضلا فالتقى الاسم والفعل وقد كان الفضل أكبر رتبة عند الرشيد من جعفر ، وكان جعفر أحظى عند الرشيد منه وأخص . وقد ولي الفضل أعمالا كبارا ، منها نيابة خراسان وغيرها . ولما قتل الرشيد البرامكة وحبسهم جلد الفضل هذا مائة سوط وخلده في الحبس حتى مات في هذه السنة ، قبل الرشيد بشهور خمسة في الرقة وصلى عليه بالقصر الذي مات فيه أصحابه ، ثم أخرجت جنازته فصلى عليها الناس ، ودفن هناك وله خمس وأربعون سنة ، وكان سبب موته ثقل أصابه في لسانه اشتد به يوم الخميس ويوم الجمعة ، وتوفي قبل أذان الغداة من يوم السبت . قال ابن جرير : وذلك في المحرم من سنة ثلاث وتسعين مائة ، وقال ابن الجوزي : في سنة ثنتين وتسعين فالله أعلم . وقد أطال بن خلكان ترجمته وذكر طرفا صالحا من محاسنه ومكارمه ، من ذلك أنه ورد بلخ حين كان نائبا على خراسان ، وكان بها بيت النار التي كانت تعبدها المجوس ، وقد كان جده برمك من خدامها ، فهدم بعضه ولم يتمكن من هدمه كله ، لقوة إحكامه ، وبنى مكانه مسجدا لله تعالى . وذكر أنه كان يتمثل في السجن بهذه الأبيات ويبكي : إلى الله فيما نالنا نرفع الشكوى * ففي يده كشف المضرة والبلوى خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها * فلا نحن في الأموات فيها ولا الاحيا إذا جاءنا السجان يوما لجاجة * عجبنا وقلنا : جاء هذا من الدنيا ( 1 ) ومحمد بن أمية الشاعر الكاتب ، وهو من بيت كلهم شعراء ، وقد اختلط أشعار بعضهم في بعض . ومنصور بن الزبرقان ابن سلمة أبو الفضل النميري الشاعر ، امتدح الرشيد ، وأصله من الجزيرة وأقام ببغداد ويقال لجده مطعم الكبش الرخم ، وذلك أنه أضاف يوما فجعلت الرخم تحوم حولهم ، فأمر بكبش يذبح للرخم حتى لا يتأذى بها ضيفانه ، ففعل له ذلك . فقال الشاعر فيه : أبوك زعيم بني قاسط * وخالك ذو الكبش يغذي الرخم وله أشعار حسنة ، وكان يروي عن كلثوم بن عمرو ، وكان شيخه الذي أخذ عنه الغناء .

--> ( 1 ) نسبها ابن خلكان لصالح بن عبد القدوس ، وقيل إنها لعلي بن الخليل ، وقال غيره هي لأبي العتاهية .