ابن كثير
220
البداية والنهاية
رافع وتفاقم الامر به . وفيها سار الرشيد لغزو بلاد الروم لعشر بقين من رجب ، وقد لبس على رأسه قلنسوة فقال فيها أبو المعلا الكلابي : فمن يطلب لقاءك أو يرده * فبالحرمين أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمر * وفي أرض الترفه فوق كور وما حاز الثغور سواك خلق * من المتخلفين على الأمور فسار حتى وصل إلى الطوانة فعسكر بها وبعث إليه نقفور بالطاعة وحمل الخراج والجزية حتى عن رأس ولده ورأسه ، وأهل مملكته ، في كل سنة خمسة عشر ألف دينار ، وبعث يطلب من الرشيد جارية قد أسروها وكانت ابنة ملك هرقلة ( 1 ) ، وكان قد خطبها على ولده ، فبعث بها الرشيد مع هدايا وتحف وطيب بعث يطلبه من الرشيد ، واشترط عليه الرشيد أن يحمل في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار ، وأن لا يعمر هرقلة . ثم انصرف الرشيد راجعا واستناب على الغزو عقبة بن جعفر ونقض أهل قبرص العهد فغزاهم معيوف بن يحيى ، فسبى أهلها وقتل منهم خلقا كثيرا . وخرج رجل من عبد القيس فبعث إليه الرشيد من قتله . وحج بالناس فيها عيسى بن موسى الهادي . من توفي فيها من الأعيان والمشاهير أسد بن عمرو بن عامر أبو المنذر البجلي الكوفي صاحب أبي حنيفة ، حكم ببغداد وبواسط ، فلما انكف بصره عزل نفسه عن القضاء . قال أحمد بن حنبل : كان صدوقا . ووثقه ابن معين ، وتكلم فيه علي بن المديني والبخاري . وسعدون المجنون صام ستين سنة فخف دماغه فسماه الناس مجنونا ، وقف يوما على حلقة ذي النون المصري فسمع كلامه فصرخ ثم أنشأ يقول : ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى * ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر وقال الأصمعي : مررت به وهو جالس عند رأس شيخ سكران يذب عنه ، فقلت له : ما لي أراك عند رأس هذا الشيخ ؟ فقال : إنه مجنون . فقلت : أنت مجنون أو هو ؟ قال : لا بل هو ، لأني صليت الظهر والعصر في جماعة وهو لم يصل جماعة ولا فرادى . وهو مع هذا قد شرب الخمر وأنا لم أشربها . قلت : فهل قلت في هذا شيئا ؟ قال : نعم ، ثم أنشأ يقول : تركت النبيذ لأهل النبيذ * وأصبحت أشرب ماء قراحا لان النبيذ يذل العزيز * ويكسو السواد الوجوه الصباحا فإن كان ذا جائزا للشباب * فما العذر منه إذا الشيب لاحا
--> ( 1 ) نسخة كتاب نقفور إلى الرشيد في شأن ابنته الأسيرة في الطبري 10 / 99 .