ابن كثير

221

البداية والنهاية

قال الأصمعي : فقلت له : صدقت ، أنت العاقل وهو المجنون . وعبيدة بن حميد بن صهيب ، أبو عبد الرحمن التميمي الكوفي ، مؤدب الأمين . روى عن الأعمش وغيره ، وعنه أحمد بن حنبل . وكان يثني عليه . وفيها توفي : يحيى بن خالد بن برمك أبو علي الوزير والد جعفر البرمكي ، ضم إليه المهدي ولده الرشيد فرباه ، وأرضعته امرأته مع الفضل بن يحيى ، فلما ولي الرشيد عرف له حقه ، وكان يقول : قال أبي ، قال أبي . وفوض إليه أمور الخلافة وأزمتها ، ولم يزل كذلك حتى نكبت البرامكة فقتل جعفر وخلد أباه يحيى في الحبس حتى مات في هذه السنة . وكان كريما فصيحا ، ذا رأي سديد ، يظهر من أموره خير وصلاح . قال يوما لولده : خذوا من كل شئ طرفا ، فإن من جهل شيئا عاداه . وقال لأولاده : أكتبوا أحسن ما تسمعون ، واحفظوا أحسن ما تكتبون ، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون . وكان يقول لهم : إذا أقبلت الدنيا فأنفقوا منها فإنها لا تبقى ، وإذا أدبرت فأنفقوا منها فإنها لا تبقى ، وكان إذا سأله سائل في الطريق وهو راكب أقل ما يأمر له بمائتي درهم فقال رجل يوما : يا سمي الحصور ( 1 ) يحيى * أتيحت لك من فضل ربنا جنتان كل من مر في الطريق عليكم * فله من نوالكم مائتان مائتا درهم لمثلي قليل * هي ( 2 ) للفارس العجلان فقال : صدقت . وأمر فسبق به إلى الدار ، فلما رجع سأل عنه فإذا هو قد تزوج وهو يريد أن يدخل على أهله فأعطاه صداقها أربعة آلاف ، وعن دار أربعة آلاف ، وعن الأمتعة أربعة آلاف . وكلفة الدخول أربعة آلاف ، وأربعة آلاف يستظهر بها . وجاء رجل يوما فسأله شيئا فقال : ويحك لقد جئتني في وقت لا أملك فيه مالا ، وقد بعث إلي صاحب لي يطلب مني أن يهدي إلي ما أحب ، وقد بلغني أنك تريد أن تبيع جارية لك ، وأنك قد أعطيت فيها ثلاثة آلاف دينار ، وإني سأطلبها فلا تبعها منه بأقل من ثلاثين ألف دينار . فجاؤوني فبلغوا معي بالمساومة إلى عشرين ألف دينار ، فلما سمعتها ضعف قلبي عن ردها ، وأجبت إلى بيعها ، فأخذها وأخذت العشرين ألف دينار . فأهداها إلى يحيى ، فلما اجتمعت بيحيى قال : بكم بعتها ؟ قلت : بعشرين ألف دينار . قال : إنك لخسيس خذ جاريتك إليك وقد بعث إلى صاحب فارس يطلب مني أن أستهديه شيئا ، وإني سأطلبها منه فلا تبعها بأقل من خمسين ألف دينار . فجاؤوني فوصلوا في ثمنها إلى ثلاثين ألف دينار ، فبعتها منهم . فلما جئته لامني أيضا

--> ( 1 ) الحصور : الذي لم يتزوج ، ويحيى المشار إليه هنا هو يحيى بن زكريا . ( 2 ) في وفيات الأعيان 6 / 223 : هي منكم للقابس .