ابن كثير
216
البداية والنهاية
للقائه فجرح النقفور ثلاث جراح ، وانهزم وقتل من أصحابه أكثر من أربعين ألفا ، وغنموا أكثر من أربعة آلاف دابة . وفيها رابط القاسم بن الرشيد بمرج دابق . وفيها حج بالناس الرشيد ، وكانت آخر حجاته . وقد قال أبو بكر حين رأى الرشيد منصرفا من الحج - وقد اجتاز بالكوفة - لا يحج الرشيد بعدها ، ولا يحج بعده خليفة أبدا . وقد رأى الرشيد بهلول الموله فوعظه موعظة حسنة ، فروينا من طريق الفضل بن الربيع الحاجب قال : حججت مع الرشيد فمررنا بالكوفة فإذا بهلول المجنون يهذي ، فقلت : اسكت فقد أقبل أمير المؤمنين ، فسكت . فلما حاذاه الهودج قال : يا أمير المؤمنين حدثني أيمن بن نائل ( 1 ) ، ثنا قدامة بن عبد الله العامري قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بمنى على جمل وتحته رحل رث ، ولم يكن ثم طرد ولا ضرب ولا إليك إليك . قال الربيع فقلت : يا أمير المؤمنين إنه بهلول ، فقال : قد عرفته ، قل يا بهلول فقال : هب أن قد ملكت الأرض طرا * ودان لك العباد فكان ماذا أليس غدا مصيرك جوف قبر ( 2 ) * ويحثو عليك التراب هذا ثم هذا قال : أجدت يا بهلول ، أفغيره ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ! من رزقه الله مالا وجمالا فعف في جماله ، وواسى في ماله ، كتب في ديوان الله من الأبرار . قال : فظن أنه يريد شيئا ، فقال : إنا أمرنا بقضاء دينك . فقال : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، لا يقضى دين بدين ، أردد الحق إلى أهله واقض دين نفسك من نفسك . قال : إنا أمرنا أن يجري عليك رزق تقتات به . قال : لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنه سبحانه لا يعطيك وينساني . وها أنا قد عشت عمرا لم تجر علي رزقا ، انصرف لا حاجه لي في جرايتك . قال : هذه ألف دينار خذها . فقال : ارددها على أصحابها فهو خير لك ، وما أصنع أنا بها ؟ انصرف عني فقد آذيتني . قال : فانصرف عنه الرشيد وقد تصاغرت عنده الدنيا . وممن توفي فيها من الأعيان : أبو إسحاق الفزاري إبراهيم بن محمد بن الحارث بن إسماعيل بن خارجة ، إمام أهل الشام في المغازي وغير ذلك . أخذ عن الثوري والأوزاعي وغيرهما ، توفي في هذه السنة . وقيل قبلها . وإبراهيم الموصلي النديم ، وهو إبراهيم بن ماهان بن بهمن أبو إسحاق ، أحد الشعراء والمغنين والندماء للرشيد
--> ( 1 ) في صفة الصفوة 2 / 517 : نابل . وهو أبو عمران ويقال أبو عمرو الحبشي المكي نزيل عسقلان صدوق يهم ، من الخامسة . ( انظر تقريب التهذيب 1 / 88 ) . ( 2 ) في صفة الصفوة : ترب بدل جوف قبر .