ابن كثير

21

البداية والنهاية

قال : فحفظها خالد ، فلما اجتمع الناس عند خالد قام الأعرابي ينشدها فابتدره إليها خالد فأنشدها قبله وقال : أيها الشيخ إن هذا شعر قد سبقناك إليه . فنهض الشيخ فولى ذاهبا فأتبعه خالد من يسمع ما يقول فإذا هو ينشد هذه الأبيات : ألا في سبيل الله ما كنت أرتجي * لديه وما لاقيت من نكد الجهد دخلت على بحر يجرد بماله * ويعطي كثير المال في طلب الحمد فخالفني الجد المشوم لشقوتي * وقاربني نحسي وفارقني سعدي فلو كان لي رزق لديه لنلته * ولكنه أمر من الواحد الفرد فرده خالد وأعلمه بما كان يقول فأمر له بعشرة آلاف درهم . وقال الأصمعي : سأل أعرابي خالدا القسري أن يملا له جرابه دقيقا فأمر بملئه له دراهم ، فقيل للأعرابي حين خرج : ما فعل معك ؟ فقال : سألته بما أشتهي فأمر لي بما يشتهي هو . وقال بعضهم : بينما خالد يسير في موكبه إذ تلقاه أعرابي فسأله أن يضرب عنقه ، فقال ويحك ولم ؟ أقطعت السبيل ؟ أأخرجت يدا من طاعة ؟ فكل ذلك يقول لا ! قال : فلم ؟ قال : من الفقر والفاقة . فقال : سل حاجتك ، قال ثلاثين ألفا . فقال خالد : ما ربح أحد مثل ما ربحت اليوم ، إني وضعت في نفسي أن يسألني مائة ألف فسأل ثلاثين فربحت سبعين . ارجعوا بنا اليوم ، وأمر له بثلاثين ألفا . وكان إذا جلس يوضع [ المال ] بين يديه ويقول : إن هذه الأموال ودائع لا بد من تفرقتها . وسقط خاتم لجاريته رابعة يساوي ثلاثين ألفا ، في بالوعة الدار ، فسألت أن تؤتى بمن يخرجه ، فقال : إن يدك أكرم علي من أن تلبسه بعد ما صار إلى هذا الموضع القذر ، وأمر لها بخمسة آلاف دينار بدله . وقد كان لرابعة هذه من الحلي شئ عظيم ، من جملة ذلك ياقوتة وجوهرة ، كل واحد بثلاثة وسبعين ألف دينار . وقد روى البخاري في كتاب أفعال العباد ، وابن أبي حاتم في كتاب السنة ، وغير واحد ممن صنف في كتب السنة أن خالد بن عبد الله القسري خطب الناس في عيد أضحى فقال : أيها الناس ، ضحوا يقبل الله ضحاياكم ، فإني مضح بالجعد بن درهم ، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يكلم موسى تكليما ، تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا ، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر . قال غير واحد من الأئمة : ؟ الجعد بن درهم من أهل الشام ، وهو مؤدب مروان الحمار ، ولهذا يقال له مروان الجعدي ، فنسب إليه ، وهو شيخ الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية الذين يقولون إن الله في كل مكان بذاته ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وكان الجعد بن درهم قد تلقى هذا المذهب الخبيث عن رجل يقال له أبان بن سمعان ، وأخذه أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم ، عن خاله لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط وماشطة وجف طلعة ذكر له ، وتحت راعوفة ببئر ذي أروان كان ماؤها نقاعة الحناء . وقد ثبت الحديث بذلك في الصحيحين وغيرهما . وجاء في بعض الأحاديث أن الله أنزل بسبب ذلك سورتي المعوذتين .