ابن كثير

208

البداية والنهاية

مشتراها عليه بمن معها من الجواري مائة ألف دينار ، فطلبها منه الرشيد فامتنع من ذلك ، فلما قتله الرشيد اصطفى تلك الجارية فأحضرها ليلة في مجلس شرابه وعنده جماعة من جلسائه وسماره ، فأمر من معها أن يغنين فاندفعت كل واحدة تغني ، حتى انتهت النوبة إلى فتينة ، فأمرها بالغناء فأسبلت دمعها وقالت : أما بعد السادة فلا . فغضب الرشيد غضبا شديدا ، وأمر بعض الحاضرين أن يأخذها إليه فقد وهبها له ، ثم لما أراد الانصراف قال له فيما بينه وبينه : لا تطأها . ففهم أنه إنما يريد بذلك كسرها . فلما كان بعد ذلك أحضرها وأظهر أنه قد رضي عنها وأمرها بالغناء فامتنعت وأرسلت دمعها وقالت : أما بعد السادة فلا . فغضب الرشيد أشد من غضبه في المرة الأولى وقال : النطع والسيف ، وجاء السياف فوقف على رأسها فقال له الرشيد : إذا أمرتك ثلاثا وعقدت أصابعي ثلاثا فاضرب . ثم قال لها غن : فبكت وقالت : أما بعد السادة فلا . فعقد أصبعه الخنصر ، ثم أمرها الثانية فامتنعت ، فعقد اثنتين ، فارتعد الحاضرون وأشفقوا غاية الاشفاق وأقبلوا عليها يسألونها أن تغني لئلا تقتل نفسها ، وأن تجيب أمير المؤمنين إلى ما يريد . ثم أمرها الثالثة فاندفعت تغني كارهة : لما رأيت الدنيا قد درست * أيقنت أن النعيم لم يعد قال فوثب إليها الرشيد وأخذ العود من يدها وأقبل يضرب به وجهها ورأسها حتى تكسر ، وأقبلت الدماء وتطايرت الجوار من حولها ، وحملت من بين يديه فماتت بعد ثلاث . وروي أن الرشيد كان يقول : لعن الله من أغراني بالبرامكة ، فما وجدت بعدهم لذة ولا راحة ولا رجاء ، وددت والله أني شطرت نصف عمري وملكي وأني تركتهم على حالهم . وحكى ابن ؟ ن أن جعفرا اشترى جارية من رجل بأربعين ألف دينار ، فالتفتت إلى بائعها وقالت : أذكر العهد الذي بيني وبينك ، لا تأكل من ثمني شيئا . فبكى سيدها وقال : اشهدوا أنها حرة ، وأني قد تزوجتها . فقال جعفر : أشهدوا أن الثمن له أيضا . وكتب إلى نائب له : أما بعد فقد كثر شاكوك ، وقل شاكروك ، فأما أن تعدل ، وإما تعتزل . ومن أحسن ما وقع منه من التلطف في إزالة هم الرشيد ، وقد دخل عليه منجم يهودي فأخبره أنه سيموت في هذه السنة ، فحمل الرشيد هما عظيما ، فدخل عليه جعفر فسأله : ما الخبر ؟ فأخبره بقول اليهودي فاستدعى جعفر اليهودي فقال له : كم بقي لك من العمر ؟ فذكر مدة طويلة . فقال : يا أمير المؤمنين اقتله حتى تعلم كذبه فيما أخبر عن عمره . فأمر الرشيد باليهودي فقتل ، وسرى عن الرشيد الذي كان فيه . وبعد مقتل البرامكة قتل الرشيد إبراهيم بن عثمان بن نهيك ، وذلك أنه حزن على البرامكة ، ولا سيما على جعفر ، كان يكثر البكاء عليهم ، ثم خرج من حيز البكاء إلى حيز الانتصار لهم والاخذ بثأرهم ، وكان إذا شرب في منزله يقول لجاريته : ائتني بسيفي ، فيسله ثم يقول : والله لأقتلن قاتله ، فأكثر أن يقول ذلك ، فخشي ابنه عثمان أن يطلع الخليفة على ذلك فيهلكهم عن آخرهم ،