ابن كثير
209
البداية والنهاية
ورأى أن أباه لا ينزع عن هذا ، فذهب إلى الفضل بن الربيع فأعلمه ، فأخبر الفضل الخليفة ، فاستدعى به فاستخبره فأخبره ، فقال : من يشهد معك عليه ؟ فقال : فلان الخادم فجاء به فشهد ، فقال الرشيد : لا يحل قتل أمير كبير بمجرد قول غلام وخصي ، لعلهما قد تواطئا على ذلك . فأحضره الرشيد معه على الشراب ثم خلا به فقال : ويحك يا إبراهيم ! إن عندي سرا أحب أن أطلعك عليه ، أقلقني في الليل والنهار . قال : وما هو ؟ قال : إني ندمت على قتل البرامكة ووددت أني خرجت من نصف ملكي ونصف عمري ولم أكن فعلت بهم ما فعلت ، فإني لم أجد بعدهم لذة ولا راحة . فقال : رحمة الله على أبي الفضل - يعني جعفرا - وبكى ، وقال : والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله . فقال له : قم لعنك الله ، ثم حبسه ثم قتله بعد ثلاثة أيام . وسلم أهله وولده . وفي هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح بسبب أنه بلغه أن يريد الخلافة ، واشتد غضبه بسببه على البرامكة الذين هم في الحبوس ، ثم سجنه فلم يزل في السجن حتى مات الرشيد فأخرجه الأمين وعقد له على نيابة الشام . وفيها ثارت العصبية بالشام بين المضرية والنزارية ، فبعث إليهم الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم . وفيها كانت زلزلة عظيمة بالمصيصة فانهدم بعض سورها ونضب ماؤها ساعة من الليل . وفيها بعث الرشيد ولده القاسم على الصائفة ، وجعله قربانا ووسيلة بين يديه ، وولاه العواصم ، فسار إلى بلاد الروم فحاصرهم حتى افتدوا بخلق من الأسارى يطلقونهم ويرجع عنهم ، ففعل ذلك . وفيها نقضت الروم الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين ، الذي كان عقده الرشيد بينه وبين رني ملكة الروم الملقبة أغسطه . وذلك أن الروم عزلوها عنهم وملكوا عليهم النقفور ، وكان شجاعا ، يقال إنه من سلالة آل جفنة ، فخلعوا رني وسملوا عينيها . فكتب نقفور إلى الرشيد : من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب ، أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ ، وأقامت نفسها مقام البيدق ، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثاله ( 1 ) إليها ، وذلك من ضعف النساء وحمقهن ، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إلي ما حملته إليك من الأموال وافتد نفسك به ، وإلا فالسيف بيننا وبينك . فلما قرأ هارون الرشيد كتابه أخذه الغضب الشديد حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إليه ، ولا يستطيع مخاطبته ، وأشفق عليه جلساؤه خوفا منه ، ثم استدعى بدواة وكتب على ظهر الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم . قد قرأت كتابك يا بن الكافرة ، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام . ثم شخص من فوره وسار حتى نزل بباب هرقلة ففتحها واصطفى ابنة ملكها ، وغنم من الأموال شيئا كثيرا ، وخرب وأحرق ، فطلب نقفور منه الموادعة على خراج يؤديه إليه في كل سنة ، فأجابه الرشيد إلى ذلك . فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض الكافر العهد وخان الميثاق ، وكان البرد قد اشتد جدا ، فلم يقدر أحد أن يجئ فيخبر الرشيد
--> ( 1 ) في ابن الأثير 6 / 185 : أضعافها .