ابن كثير

197

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة فيها خرجت الخزر على الناس من ثلمة أرمينية فعاثوا في تلك البلاد فسادا ، وسبوا من المسلمين وأهل الذمة نحوا من مائة ألف ، وقتلوا بشرا كثيرا وانهزم نائب أرمينية سعيد بن مسلم ( 1 ) ، فأرسل الرشيد إليهم خازم بن خزيمة ( 2 ) ويزيد بن مزيد في جيوش كثيرة كثيفة ، فأصلحوا ما فسد في تلك البلاد . وحج بالناس العباس بن موسى الهادي . وفيها توفي من الأعيان علي بن الفضيل بن عياض في حياة أبيه . كان كثير العبادة والورع والخوف والخشية . ومحمد بن صبيح أبو العباس مولى بني عجل المذكر . ويعرف بابن السماك . روى عن إسماعيل بن أبي خالد والأعمش والثوري وهشام بن عروة وغيرهم ، ودخل يوما على الرشيد فقال : إن لك بين يدي الله موقفا فانظر أين منصرفك ، إلى الجنة أم النار ؟ فبكى الرشيد حتى كاد يموت . وموسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أبو الحسن الهاشمي ، ويقال له الكاظم ، ولد سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائة ، وكان كثير العبادة والمروءة ، إذا بلغه عن أحد أنه يؤذيه أرسل إليه بالذهب والتحف ، ولد له من الذكور والإناث أربعون نسمة . وأهدي له مرة عبد عصيدة فاشتراه واشترى المزرعة التي هو فيها بألف دينار وأعتقه ، ووهب المزرعة له . وقد استدعاه المهدي إلى بغداد فحبسه ، فلما كان في بعض الليالي رأى المهدي علي بن أبي طالب وهو يقول له : يا محمد ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) [ محمد : 22 ] فاستيقظ مذعورا وأمر به فأخرج من السجن ليلا فأجلسه معه وعانقه وأقبل عليه ، وأخذ عليه العهد أن لا يخرج عليه ولا على أحد من أولاده ، فقال : والله ما هذا من شأني ولا حدثت فيه نفسي ، فقال : صدقت . وأمر له بثلاثة آلاف دينار ، وأمر به فرد إلى المدينة فما أصبح الصباح إلا وهو على الطريق ، فلم يزل بالمدينة حتى كانت خلافة الرشيد فحج ، فلما دخل ليسلم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه موسى بن جعفر الكاظم ، فقال الرشيد : السلام عليك يا رسول الله يا بن عم . فقال موسى : السلام عليك يا أبت . فقال الرشيد : هذا هو الفخر يا أبا الحسن ( 3 ) . ثم لم يزل ذلك في نفسه حتى استدعاه في سنة تسع وسبعين وسجنه فأطال سجنه ، فكتب إلى موسى رسالة يقول فيها : أما بعد يا أمير المؤمنين إنه لم ينقض عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك يوم من الرخاء ، حتى يفضي بنا ذلك إلى

--> ( 1 ) من الطبري 10 / 70 وابن الأثير 6 / 163 وفي الأصل : مسلم . ( 2 ) في الطبري وابن الأثير : خزيمة بن خازم . ( 3 ) من ابن الأثير 6 / 164 وفي الأصل : أبا الحسن .