ابن كثير
196
البداية والنهاية
ولده يوسف . وقد كان نائبه على الجانب الشرقي ( 1 ) من بغداد . ومن زعم من الرواة أن الشافعي اجتمع بأبي يوسف كما يقوله عبد الله بن محمد البلوي الكذاب في الرحلة التي ساقها الشافعي فقد أخطأ في ذلك ، إنما ورد الشافعي بغداد في أول قدمة قدمها إليها في سنة أربع وثمانين . وإنما اجتمع الشافعي بمحمد بن الحسن الشيباني فأحسن إليه وأقبل عليه ، ولم يكن بينهما شنآن كما يذكره بعض من لا خبرة له في هذا الشأن والله أعلم . وفيها توفي : يعقوب بن داوود بن طهمان أبو عبد الله مولى عبد الله بن حازم السلمي ، استوزره المهدي وحظي عنده جدا ، وسلم إليه أزمة الأمور ، ثم لما أمر بقتل العلوي كما تقدم فأطلقه ونمت عليه تلك الجارية سجنه المهدي في بئر وبنيت عليه قبة ، ونبت شعره حتى صار مثل شعور الانعام ، وعمي ، ويقال بل غشي بصره ، ومكث نحوا من خمسة عشر سنة في ذلك البئر لا يرى ضوءا ولا يسمع صوتا إلا في أوقات الصلوات يعلمونه بذلك ، ويدلي إليه في كل يوم رغيف وكوز ماء ، فمكث كذلك حتى انقضت أيام المهدي وأيام الهادي وصدر من أيام الرشيد ، قال يعقوب : فأتاني آت في منامي فقال : عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب فيأمن خائف ويفك عان * ويأتي أهله النائي الغريب فلما أصبحت نوديت فظننت أني أعلم بوقت الصلاة ، ودلي إلي حبل وقيل لي : اربط هذا الحبل في وسطك ، فأخرجوني ، فلما نظرت إلى الضياء لم أبصر شيئا ، وأوقفت بين يدي الخليفة فقيل لي : سلم على أمير المؤمنين ، فظننته المهدي فسلمت عليه باسمه ، فقال : لست به ، فقلت الهادي ؟ فقال : لست به . فقلت : السلام عليك يا أمير المؤمنين الرشيد . فقال : نعم ، ثم قال : والله إنه لم يشفع فيك عندي أحد ، ولكني البارحة حملت جارية لي صغيرة على عنقي فذكرت حملك إياي على عنقك فرحمت ما أنت فيه من الضيق فأخرجتك . ثم أنعم عليه وأحسن إليه . فغار منه يحيى بن خالد بن برمك ، وخشي أن يعيده إلى منزلته التي كان عليها أيام المهدي ، وفهم ذلك يعقوب فاستأذن الرشيد في الذهاب إلى مكة فأذن له ، فكان بها حتى مات في هذه السنة رحمه الله . وقال : يخشى يحيى أن أرجع إلى الولايات لا والله ما كنت لافعل أبدا ، ولو رددت إلى مكاني . وفيها توفي يزيد بن زريع أبو معاوية شيخ الإمام أحمد بن حنبل في الحديث ، كان ثقة عالما عابدا ورعا ، توفي أبوه وكان والي البصرة وترك من المال خمسمائة درهم ، فلم يأخذ منها يزيد درهما واحدا ، وكان يعمل الخوص بيده ويقتات منه هو وعياله . توفي بالبصرة في هذه السنة ، وقيل قبل ذلك فالله أعلم .
--> ( 1 ) في ابن خلكان 6 / 388 ومفتاح السعادة 1 / 211 : الغربي .