ابن كثير
192
البداية والنهاية
حتى أكون أنا أنفق عليه ، فكان يأخذ منهم نفقاتهم ويكتب على كل صرة اسم صاحبها ويجمعها في صندوق ، ثم يخرج بهم في أوسع ما يكون من النفقات والركوب ، وحسن الخلق والتيسير عليهم ، فإذا قضوا حجتهم فيقول لهم : هل أوصاكم أهلوكم بهدية ، فيشتري لكل واحد منهم ما وصاه أهله من الهدايا المكية واليمنية وغيرها ، فإذا جاؤوا إلى المدينة اشترى لهم منها الهدايا المدنية ، فإذا رجعوا إلى بلادهم بعث من أثناء الطريق إلى بيوتهم فأصلحت وبيضت أبوابها ورمم شعثها ، فإذا وصلوا إلى البلد عمل وليمة بعد قدومهم ودعاهم فأكلوا وكساهم ، ثم دعا بذلك الصندوق ففتحه وأخرج منه تلك الصرر ثم يقسم عليهم أن يأخذ كل واحد نفقته التي عليها اسمه ، فيأخذونها وينصرفون إلى منازلهم وهم شاكرون ناشرون لواء الثناء الجميل . وكانت سفرته تحمل على بعير وحدها ، وفيها من أنواع المأكول من اللحم والدجاج والحلوى وغير ذلك ، ثم يطعم الناس وهو الدهر صائم في الحر الشديد . وسأله مرة سائل فأعطاه درهما فقال له بعض أصحابه : إن هؤلاء يأكلون الشواء والفالوذج ، وقد كان يكفيه قطعة . فقال : والله ما ظننت أنه يأكل إلا البقل والخبز ، فأما إذا كان يأكل الفالوذج والشواء فإنه لا يكفيه درهم . ثم أمر بعض غلمانه فقال : رده وادفع إليه عشرة دراهم . وفضائله ومناقبه كثيرة جدا . قال أبو عمر بن عبد البر : أجمع العلماء على قبوله وجلالته وإمامته وعدله . توفي عبد الله بن المبارك بهيت ( 1 ) في هذه السنة في رمضانها عن ثلاث وستين سنة . ومفضل بن فضالة ولي قضاء مصر مرتين ، وكان دينا ثقة ، فسأل الله أن يذهب عنه الامل فأذهبه ، فكان بعد ذلك لا يهنئه العيش ولا شئ من الدنيا ، فسأل الله أن يرده عليه فرده فرجع إلى حاله . ويعقوب التائب العابد الكوفي ، قال علي بن الموفق عن منصور بن عمار : خرجت ذات ليلة وأنا أظن أني قد أصبحت ، فإذا علي ليل ، فجلست إلى باب صغير وإذا شاب يبكي وهو يقول : وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك ولكن سولت لي نفسي ، وغلبتني شقوتي ، وغرني سترك المرخى علي فالآن من عذابك من يستنقذني ؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك عني ؟ وا سوأتاه على ما مضى من أيامي في معصية ربي ، يا ويلي كم أتوب وكم أعود ، قد حان لي أن أستحي من ربي عز وجل . قال منصور
--> ( 1 ) هيت : بكسر الهاء ، مدينة على الفرات فوق الأنبار من أعمال العراق ، عندها كانت القوافل تقطع الفرات في طريقها بين بغداد وحلب ، واشتهرت قديما بالتمر والقمح والخمر . وبالقرب منها ينابيع النفط .