ابن كثير
193
البداية والنهاية
فقلت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) [ التحريم : 6 ] قال : فسمعت صوتا واضطرابا شديدا فذهبت لحاجتي ، فلما رجعت مررت بذلك الباب فإذا جنازة موضوعة ، فسألت عنه فإذا ذاك الفتى قد مات من هذه الآية . ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائة فيها أخذ الرشيد لولده عبد الله المأمون ولاية العهد من بعد أخيه محمد الأمين بن زبيدة ، وذلك بالرقة بعد مرجعه من الحج ، وضم ابنه المأمون إلى جعفر بن يحيى البرمكي وبعثه إلى بغداد ومعه جماعة من أهل الرشيد خدمة له ، وولاه خراسان وما يتصل بها ، وسماه المأمون . وفيها رجع يحيى بن خالد البرمكي من مجاورته بمكة إلى بغداد . وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ مدينة أصحاب الكهف ( 1 ) . وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن إليون وملكوا عليهم أمه ريني وتلقب أغسطه . وحج بالناس موسى بن عيسى بن العباس . وفيها توفي من الأعيان إسماعيل بن عياش الحمصي أحد المشاهير من أئمة الشاميين ، وفيه كلام . ومروان بن أبي حفصة الشاعر المشهور المشكور . كان يمدح الخلفاء والبرامكة . ومعن بن زائدة حصل من الأموال شيئا كثيرا جدا ، وكان مع ذلك من أبخل الناس ، لا يكاد يأكل اللحم من بخله ، ولا يشعل في بيته سراجا ، ولا يلبس من الثياب إلا الكرباسي والفرو الغليظ ، وكان رفيقه سلم الخاسر إذا ركب إلى دار الخلافة يأتي على برذون وعليه حلة تساوي ألف دينار ، والطيب ينفح من ثيابه ، ويأتي هو في شر حالة وأسوئها . وخرج يوما إلى المهدي فقالت امرأة من أهله : إن أطلق لك الخليفة شيئا فاجعل لي منه شيئا . فقال : إن أعطاني مائة ألف درهم فلك درهم . فأعطاه ستين ألفا فأعطاها أربعة دوانيق . توفي ببغداد في هذه السنة ، ودفن في مقبرة نصر بن مالك . والقاضي أبو يوسف واسمه يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة ( 2 ) ، وهي أمه ، وأبوه ( 3 ) بجير بن
--> ( 1 ) وهي مدينة دفسوس على ما قاله الطبري ، وفي ابن الأثير 6 / 161 : أفسوس . ( 2 ) من وفيات الأعيان 6 / 378 ومصباح السعادة 2 / 211 والمعارف ص 218 : وفي الأصل حسنة . وهي حيتة بنت مالك بن بني عمرو بن عوف . ( 3 ) في الاستيعاب : أبو سعد هو عوف بن بحير ، وفي تاريخ بغداد 14 / 242 : هو بجير بن معاوية . وفي مفتاح السعادة أن سعدا استصغره رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم أحد ، لأنه كان لا يأذن للخروج إلى الغزاة إلا للبالغ ( انظر المعارف لابن قتيبة ص 218 ) .