ابن كثير
191
البداية والنهاية
الحسن بن قحطبة أحد أكابر الأمراء ، وحمزة بن مالك ، ولي إمرة خراسان في أيام الرشيد ، وخلف بن خليفة شيخ الحسن بن عرفة عن مائة سنة . وعبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن المروزي ، كان أبوه تركيا مولى لرجل من التجار من بني حنظلة من أهل همذان ، وكان ابن المبارك إذا قدمها أحسن إلى ولد مولاهم ، وكانت أمه خوارزمية ، ولد لثمان عشرة ومائة ، وسمع إسماعيل بن خالد ، والأعمش ، وهشام بن عروة ، وحميد الطويل ، وغيرهم من أئمة التابعين . وحدث عن خلائق من الناس ، وكان موصوفا بالحفظ والنفقة والعربية والزهد والكرم والشجاعة والشعر ، له التصانيف الحسان ، والشعر الحسن المتضمن حكما جمة ، وكان كثير الغزو والحج ، وكان له رأس مال نحو أربعمائة ألف يدور يتجر به في البلدان ، فحيث اجتمع بعالم أحسن إليه ، وكان يربو كسبه في كل سنة على مائة ألف ينفقها كلها في أهل العبادة والزهد والعلم ، وربما أنفق من رأس ماله . قال سفيان بن عيينة : نظرت في أمره وأمر الصحابة فما رأيتهم يفضلون عليه إلا في صحبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال إسماعيل بن عياش : ما على وجه الأرض مثله ، وما أعلم خصلة من الخير إلا وقد جعلها الله في ابن المبارك ، ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الخبيص وهو الدهر صائم . وقدم مرة الرقة وبها هارون الرشيد ، فلما دخلها احتفل الناس به وازدحم الناس حوله ، فأشرفت أم ولد للرشيد من قصر هناك فقالت : ما للناس ؟ فقيل لها : قدم رجل من علماء خراسان يقال له عبد الله بن المبارك فانجفل الناس إليه . فقالت المرأة : هذا هو الملك ، لا ملك هارون الرشيد الذي ( 1 ) يجمع الناس عليه بالسوط والعصا والرغبة والرهبة . وخرج مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك ، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم ، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته ثم أسرعت به إلى الدار ، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة ، فقالت أنا وأخي هنا ليس لنا شئ إلا هذا الإزار ، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة ، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام . وكان أبونا له مال فظلم وأخذ ماله وقتل . فأمر ابن المبارك برد الأحمال وقال لوكيله : كم معك من النفقة ؟ قال : ألف دينار . فقال : عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو وأعطها الباقي . فهذا أفضل من حجنا في هذا العام ، ثم رجع . وكان إذا عزم على الحج يقول لأصحابه : من عزم منكم في هذا العام على الحج فليأتني بنفقته
--> ( 1 ) في صفة الصفوة 4 / 137 : الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان .