ابن كثير

188

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة ثمانين ومائة فيها هاجت الفتنة بالشام بين النزارية واليمنية ، فانزعج الرشيد لذلك فندب جعفر البرمكي إلى الشام في جماعة من الأمراء والجنود ، فدخل الشام فانقاد الناس له ولم يدع جعفر بالشام فرسا ولا سيفا ولا رمحا إلا استلبه من الناس ، وأطفأ الله به نار تلك الفتنة . وفي ذلك يقول بعض الشعراء ( 1 ) : لقد أوقدت بالشام نيران فتنة * فهذا أوان الشام تخمد نارها إذا جاش موج البحر من آل برمك * عليها خبت شهبانها وشرارها رماها أمير المؤمنين بجعفر * وفيه تلافى صدعها وانكسارها ( 2 ) رماها بميمون النقيبة ماجد * تراضى به قحطانها ونزارها ثم كر جعفر راجعا إلى بغداد بعد ما استخلف على الشام عيسى العكي ، ولما قدم على الرشيد أكرمه وقربه وأدناه ، وشرع جعفر يذكر كثرة وحشته له في الشام ، ويحمد الله الذي من عليه برجوعه إلى أمير المؤمنين ورؤيته وجهه . وفيها ولى الرشيد جعفرا خراسان وسجستان فاستعمل على ذلك محمد بن الحسن بن قحطبة ، ثم عزل الرشيد جعفرا عن خراسان بعد عشرين ليلة . وفيها هدم الرشيد سور الموصل بسبب كثرة الخوارج ، وجعل الرشيد جعفرا على الحرس ، ونزل الرشيد الرقة واستوطنها واستناب على بغداد ابنه الأمين محمدا وولاه العراقين ، وعزل هرثمة عن إفريقية واستدعاه إلى بغداد فاستنابه جعفر على الحرس . وفيها كانت بمصر زلزلة شديدة سقط منها رأس منارة الإسكندرية . وفيها خرج بالجزيرة خراشة الشيباني فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العقيلي . وفيها ظهرت طائفة بجرجان يقال لها المحمرة لبسوا الحمرة واتبعوا رجلا يقال له عمرو بن محمد العمركي ، وكان ينسب إلى الزندقة ، فبعث الرشيد يأمر بقتله فقتل وأطفأ الله نارهم في ذلك الوقت . وفيها غزا الصائفة زفر بن عاصم ( 3 ) . وحج بالناس موسى ( 4 ) بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس . وفيها كانت وفاة جماعة من الأعيان : إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري قارئ أهل المدينة ومؤدب علي بن المهدي ببغداد . وقد مات علي بن المهدي في هذه السنة أيضا . وقد ولي إمارة الحج غير مرة ، وكان أسن من الرشيد بشهور .

--> ( 1 ) نسب الطبري الأبيات إلى منصور النمري . ( 10 / 66 ) ( 2 ) في الطبري : وانجبارها . ( 3 ) في الطبري : معاوية بن زفر بن عاصم ، وفي ابن الأثير ، محمد بن معاوية بن زفر بن عاصم . ( 4 ) في الطبري وابن الأثير : موسى بن عيسى بن موسى .