ابن كثير

189

البداية والنهاية

حسان بن أبي سنان ابن أبي أوفى بن عوف التنوخي الأنباري ، ولد سنة ستين ، ورأى أنس بن مالك ودعا له فجاء من نسله قضاة ووزراء وصلحاء ، وأدرك الدولتين الأموية والعباسية . وكان نصرانيا فأسلم وحسن إسلامه وكان يكتب بالعربية والفارسية والسريانية ، وكان يعرب الكتب بين يدي ربيعة لما ولاه السفاح الأنبار . وفيها توفي : عبد الوارث بن سعيد البيروتي أحد الثقات وعافية بن يزيد ابن قيس القاضي للمهدي على جانب بغداد الشرقي ، هو وابن علاثة ، وكانا يحكمان بجامع الرصافة ، وكان عافية عابدا زاهدا ورعا ، دخل يوم على المهدي في وقت الظهيرة فقال : يا أمير المؤمنين اعفني ، فقال له المهدي : ولم أعفيك ؟ هل اعترض عليك أحد من الأمراء ؟ فقال له : لا ولكن كان بين اثنين خصومة عندي فعمد أحدهما إلى رطب السكر - وكأنه سمع أني أحبه - فأهدى إلي منه طبقا لا يصلح إلا لأمير المؤمنين ، فرددته عليه ، فلما أصبحنا : وجلسنا إلى الحكومة لم يستويا عندي في قلبي ولا نظري ، بل مال قلبي إلى المهدي منهما ، هذا مع أني لم أقبل منه ما أهداه فكيف لو قبلت منه ؟ فاعفني عفا الله عنك فأعفاه . وقال الأصمعي : كنت عند الرشيد يوما وعنده عافية وقد أحضره لان قوما استعدوا عليه إلى الرشيد ، فجعل الرشيد يوقفه على ما قيل عنه وهو يجيب عما يسأله . وطال المجلس فعطس الخليفة فشمته الناس ولم يشمته عافية ، فقال له الرشيد : لم لم تشمتني مع الناس ؟ فقال : لأنك لم تحمد الله ، واحتج بالحديث في ذلك . فقال له الرشيد : ارجع لعملك فوالله ما كنت لتفعل ما قيل عنك ، وأنت لم تسامحني في عطسة لم أحمد الله فيها . ثم رده ردا جميلا إلى ولايته . وفيها توفي : سيبويه إمام النحاة ، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر ، المعروف بسيبويه ، مولى بني الحارث بن كعب ، وقيل مولى آل الربيع بن زياد ، وإنما سمي سيبويه لان أمه كانت ترقصه وتقول له ذلك ، ومعنى سيبويه رائحة التفاح ، وقد كان في ابتداء أمره يصحب أهل الحديث والفقهاء ، وكان يستملي على حماد بن سلمة ، فلحن يوما فرد عليه قوله فأنف من ذلك ، فلزم الخليل بن أحمد فبرع في النحو ، ودخل بغداد وناظر الكسائي . وكان سيبويه شابا حسنا جميلا نظيفا ، وقد تعلق من كل علم بسبب ، وضرب مع كل أهل أدب بسهم ، مع حداثة سنه . وقد صنف في النحو كتابا لا يلحق شأوه ، وشرحه أئمة النحاة بعده فانغمروا في لجج بحره ، واستخرجوا من درره ، ولم يبلغوا إلى قعره . وقد زعم ثعلب أنه لم ينفرد بتصنيفه ، بل ساعده جماعة في تصنيفه نحوا من أربعين نفسا هو أحدهم ، وهو أصول الخليل ،