ابن كثير
174
البداية والنهاية
فوجدوا من ذلك شيئا كثيرا من الذهب والفضة والأمتعة وغير ذلك ، فنضدوه ليستعان بن علي الحرب وعلى مصالح المسلمين . وهو محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ، وأمه أم حسن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن علي ، وكان من رجالات قريش وشجعانهم . جمع له المنصور بين البصرة والكوفة ، وزوجه المهدي ابنته العباسة ، وكان له من الأموال شئ كثير ، كان دخله في كل يوم مائة ألف . وكان له خاتم من ياقوت أحمر لم ير مثله . وروى الحديث عن أبيه عن جده الأكبر ، وهو حديث مرفوع في مسح رأس اليتيم إلى مقدم رأسه ، ومسح رأس من له أب إلى مؤخر رأسه . وقد وفد على الرشيد فهناه بالخلافة فأكرمه وعظمه وزاده في عمله شيئا كثيرا . ولما أراد الخروج خرج معه الرشيد يشيعه إلى كلواذا . توفي في جمادي الآخرة من هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة ، وقد أرسل الرشيد من اصطفى من ماله الصامت فوجد له من الذهب ثلاثة آلاف ألف دينار ، ومن الدراهم ستة آلاف ألف ، خارجا عن الأملاك . وقد ذكر ابن جرير أن وفاته ووفاة الخيزران في يوم واحد ، وقد وقفت جارية من جواريه على قبره فأنشأت تقول : أمسى التراب لمن هويت مبيتا * الق التراب فقل له حييتا إنا نحبك يا تراب وما بنا * إلا كرامة من عليه حثيتا وفيها توفيت الخيزران جارية المهدي وأم أمير المؤمنين الهادي والرشيد ، اشتراها المهدي وحظيت عنده جدا ثم أعتقها وتزوجها وولدت له خليفتين : موسى الهادي والرشيد . ولم يتفق هذا لغيرها من النساء إلا الولادة بنت العباس العبسية ، زوجة عبد الملك بن مروان ، وهي أم الوليد وسليمان . وكذلك لشاه فرند بنت فيروز بن يزدجرد ، ولدت لمولاها الوليد بن عبد الملك : يزيد ( 1 ) وإبراهيم . وكلاهما ولي الخلافة . وقد روي من طريق الخيزران عن مولاها المهدي عن أبيه ، عن جده ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من اتقى الله وقاه كل شئ " . ولما عرضت الخيزران على المهدي ليشتريها أعجبته إلا دقة في ساقيها ، فقال لها : يا جارية إنك لعلى غاية المنى والجمال لولا دقة ساقيك وخموشهما . فقالت : يا أمير المؤمنين إنك أحوج ما تكون إليهما لا تراهما فاستحسن جوابها واشتراها وحظيت عنده جدا . وقد حجت الخيزران مرة في حياة المهدي فكتب إليها وهي بمكة يستوحش لها ويتشوق إليها بهذا الشعر : نحن في غاية السرور ولكن * ليس إلا بكم يتم السرور عيب ما نحن فيه يا أهل ودي * أنكم غيب ونحن حضور فأجدوا في السير بل إن قدرتم * أن تطيروا مع الرياح فطيروا
--> ( 1 ) في الأصل مروان وهو تحريف والصواب ما أثبتناه ، وانظر حاشية 1 ص 18 .