ابن كثير

175

البداية والنهاية

فأجابته أو أمرت من أجابه : قد أتانا الذي وصفت من الشوق * فكدنا وما قدرنا نظير ليت أن الرياح كن يؤدين * ما قد يكن الضمير لم أزل صبة فإن كنت بعدي * في سرور فدام ذاك السرور وذكروا أنه أهدى إليها محمد بن سليمان نائب البصرة الذي مات في اليوم الذي ماتت فيه مائة وصيفة ، مع كل وصيفة جام من فضة مملوء مسكا . فكتبت إليه : إن كان ما بعثته ثمنا عن ظننا فيك فظننا فيك أكثر مما بعثت ، وقد بخستنا في الثمن ، وإن كنت تريد به زيادة المودة فقد اتهمتني في المودة . وردت ذلك عليه . وقد اشترت الدار المشهورة بها بمكة المعروفة بدار الخيزران ، فزادتها في المسجد الحرام . وكان مغل ضياعها في كل سنة ألف ( 1 ) ألف وستين ألفا ، واتفق موتها ببغداد ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة . وخرج ابنها الرشيد في جنازتها وهو حامل سريرها يخب في الطين . فلما انتهى إلى المقبرة أتي بماء فغسل رجليه ولبس خفا وصلى عليها ، ونزل لحدها . فلما خرج من القبر أتي بسرير فجلس عليه واستدعى بالفضل بن الربيع فولاه الخانم والنفقات . وأنشد الرشيد قول ابن نويرة حين دفن أمه الخيزران : وكنا كندماني جذيمة برهة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأني ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وفيها توفيت : غادر : جارية كانت لموسى الهادي ، كان يحبها حبا شديدا جدا ، وكانت تحسن الغناء جدا ، فبينما هي يوما تغنيه إذ أخذته فكرة غيبته عنها وتغير لونه ، فسأله بعض الحاضرين : ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أخذتني فكرة أني أموت وأخي هارون يتولى الخلافة بعدي ويتزوج جاريتي هذه . ففداه الحاضرون ودعوا له بطول العمر . ثم استدعى أخاه هارون فأخبره بما وقع فعوذه الرشيد من ذلك ، فاستحلفه الهادي بالايمان المغلظة من الطلاق والعتاق والحج ماشيا حافيا أن لا يتزوجها ، فحلف له واستحلف الجارية كذلك فحلفت له ، فلم يكن إلا أقل من شهرين حتى مات ، ثم خطبها الرشيد فقالت : كيف بالايمان التي حلفناها أنا وأنت ؟ فقال : إني أكفر عني وعنك . فتزوجها وحظيت عنده جدا ، حتى كانت تنام في حجره فلا يتحرك خشية أن يزعجها . فبينما هي ذات ليلة نائمة إذ انتبهت مذعورة تبكي ، فقال لها : ما شأنك ؟ فقالت : يا أمير المؤمنين رأيت الهادي في منامي هذا وهو يقول :

--> ( 1 ) في مروج الذهب 3 / 413 : مائة ألف ألف وستين ألف درهم .