ابن كثير

171

البداية والنهاية

خلافة هارون الرشيد بن المهدي بويع له بالخلافة ليلة مات أخوه ، وذلك ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة وكان عمر الرشيد يومئذ ثنتان وعشرين سنة ، فبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك فأخرجه من السجن ، وقد كان الهادي عزم تلك الليلة على قتله وقتل هارون الرشيد ، وكان الرشيد ابنه من الرضاعة ( 1 ) ، فولاه حينئذ الوزارة ، وولى يوسف بن القاسم بن صبيح كتابة الانشاء . وكان هو الذي قام خطيبا بين يديه حتى أخذت البيعة له على المنبر بعيساباذ ( 2 ) ، ويقال إنه لما مات الهادي في الليل جاء يحيى بن خالد بن برمك إلى الرشيد فوجده نائما فقال : قم يا أمير المؤمنين . فقال له الرشيد : كم تروعني ، لو سمعك هذا الرجل لكان ذلك أكبر ذنوبي عنده ؟ فقال : قد مات الرجل . فجلس هارون فقال : أشر علي في الولايات ، فجعل يذكر ولايات الأقاليم لرجال يسميهم فيوليهم الرشيد ، فبينما هما كذلك إذ جاء آخر فقال : أبشر يا أمير المؤمنين فقد ولد لك الساعة غلام . فقال : هو عبد الله وهو المأمون . ثم أصبح فصلى على أخيه الهادي ، ودفنه بعيساباذ ، وحلف لا يصلي الظهر إلا ببغداد . فلما فرغ من الجنازة أمر بضرب عنق أبي عصمة القائد لأنه كان مع جعفر بن الهادي ، فزاحموا الرشيد على جسر فقال أبو عصمة : اصبر وقف حتى يجوز ولي العهد . فقال الرشيد : السمع والطاعة للأمير . فجاز جعفر وأبو عصمة ووقف الرشيد مكسورا ذليلا . فلما ولي أمر بضرب عنق أبي عصمة ، ثم سار إلى بغداد . فلما انتهى إلى جسر بغداد استدعى بالغواصين فقال إني سقط مني ههنا خاتم كان والدي المهدي قد اشتراه لي بمائة ألف ، فلما كان من أيام بعث إلى الهادي يطلبه فألقيته إلى الرسول فسقط ههنا . فغاص الغواصون وراءه فوجدوه فسر به الرشيد سرورا كثيرا . ولما ولى الرشيد يحيى بن خالد الوزارة قال له : قد فوضت إليك أمر الرعية وخلعت ذلك من عنقي وجعلته في عنقك ، فول من رأيت واعزل من رأيت . ففي ذلك يقول إبراهيم بن الموصلي : ألم تر أن الشمس كانت سقيمة * فلما ولي هارون أشرق نورها بيمن أمين هارون ذي الندي * فهارون واليها ويحيى وزيرها ثم إن هارون أمر يحيى بن خالد أن لا يقطع أمرا بمشاورة والدته الخيزران . فكانت هي المشاورة في الأمور كلها ، فتبرم وتحل وتمضي وتحكم . وفيها أمر الرشيد بسهم ذوي القربى أن يقسم بين بني هاشم على السواء . وفيها تتبع الرشيد خلقا من الزنادقة فقتل منهم طائفة كثيرة . وفيها خرج عليه بعض أهل البيت . وفيها ولد الأمين

--> ( 1 ) كان مولد الفضل بن يحيى قبله بسبعة أيام فجعلت أم الفضل زينب بنت منير ترضع الرشيد بلبان الفضل والخيزران أم الرشيد ترضع الفضل من لبان الرشيد ( الطبري - ابن الأثير ) . ( 2 ) نص خطبته في الطبري 10 / 49 .