ابن كثير

172

البداية والنهاية

محمد بن الرشيد ابن زبيدة . وذلك يوم الجمعة لست ( 1 ) عشرة ليلة خلت من شوال من هذه السنة . وفيها كمل بناء مدينة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس . وفيها حج بالناس أمير المؤمنين الرشيد ، وأعطى أهل الحرمين أموالا كثيرة ، ويقال إنه غزا في هذه السنة أيضا . وفي ذلك يقول داود بن رزين الشاعر : بهارون لاح النور في كل بلدة * وقام به في عدل سيرته النهج إمام بذات الله أصبح شغله * وأكثر ما يعنى به الغزو والحج تضيق عيون الناس عن نور وجهه * إذا ما بدا للناس منظره البلج وإن أمين الله هارون ذا الندا * ينيل الذي يرجوه أضعاف ما يرجو وغزا الصائفة فيها سليمان بن عبد الله البكائي . ذكر من توفي فيها من الأعيان الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدي ، ويقال الفرهودي الأزدي ، شيخ النحاة ، وعنه أخذ سيبويه والنضر بن شميل ، وغير واحد من أكابرهم ، وهو الذي اخترع علم العروض . قسمه إلى خمس دوائر وفرعه إلى خمسة عشر بحرا ، وزاد الأخفش فيه بحرا آخر وهو الخبب ، وقد قال بعض الشعراء : قد كان شعر الورى صحيحا * من قبل أن يخلق الخليل وقد كان له معرفة بعلم النغم ، وله فيه تصنيف أيضا ، وله كتاب العين في اللغة ، ابتدأه وأكمله النضر بن شميل وأضرابه من أصحاب الخليل ، كمؤرج السدوسي ، ونصر بن علي الجهضمي . فلم يناسبوا ما وضعه الخليل . وقد وضع ابن درستويه كتابا وصف فيه ما وقع لهم من الخلل فأفاد . وقد كان الخليل رجلا صالحا عاقلا وقورا كاملا ، وكان متقللا من الدنيا جدا ، صبورا على خشونة العيش وضيقه ، وكان يقول : لا يجاوز همي ما وراء بابي ، وكان ظريفا حسن الخلق ، وذكر أنه اشتغل رجل عليه في العروض وكان بعيد الذهن فيه . قال : فقلت له يوما : كيف تقطع هذا البيت ؟ إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع فشرع معي في تقطيعه على قدر معرفته ، ثم إنه نهض من عندي فلم يعد إلي ، وكأنه فهم ما أشرت إليه . ويقال إنه لم يسم أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأحمد سوى أبيه . روى ذلك عن أحمد بن أبي خيثمة والله أعلم . ولد الخليل سنة مائة من الهجرة ، ومات بالبصرة سنة سبعين ومائة على المشهور ، وقيل سنة

--> ( 1 ) في الطبري 10 / 50 : لثلاث .