ابن كثير
158
البداية والنهاية
بمنزلي حجبتها في جانب الدار في خدر ، فأمرت بذلك العلوي فجئ به فجلس إلي فتكلم ، فما رأيت أعقل منه ولا أفهم . ثم قال لي : يا يعقوب تلقى الله بدمي وأنا رجل من ولد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : لا والله ولكن اذهب حيث شئت وأين شئت . فقال : إني أختار بلاد كذا وكذا . فقلت : أذهب كيف شئت ، ولا يظهرن عليك المهدي فتهلك وأهلك . فخرج من عندي وجهزت معه رجلين يسفرانه ويوصلانه بعض البلاد ، ولم أشعر بأن الجارية قد أحاطت علما بما جرى ، وأنها كالجاسوس علي ، فبعثت بخامدها إلى المهدي فأعلمته بما جرى ، فبعث المهدي إلى تلك الطريق فردوا ذلك العلوي فحبسه عنده في بيت من دار الخلافة ، وأرسل إلي من اليوم الثاني فذهب إليه ولم أشعر من أمر العلوي بشئ ، فلما دخلت عليه قال : ما فعل العلوي ؟ قلت : مات . قال : الله ! قلت الله . قال : فضع يدل على رأسي واحلف بحياته ، ففعلت . فقال يا غلام أخرج ما في ( 1 ) هذا البيت ، فخرج العلوي فأسقط في يدي ، فقال المهدي : دمك لي حلال . ثم أمر به فألقي في بئر في المطبق . قال يعقوب : فكنت في مكان لا أسمع فيه ولا أبصر ، فذهب بصري وطال شعري حتى ثرت مثل البهائم ، ثم مضت علي مدد متطاولة ، فبينما أنا ذات يوم إذ دعيت فخرجت من البئر فقيل لي : سلم على أمير المؤمنين . فسلمت وأنا أظنه المهدي ، فلما ذكرت المهدي قال : رحم الله المهدي . فقلت : الهادي ؟ فقال : رحم الله الهادي . فقلت : الرشيد ؟ قال : نعم . فقلت : يا أمير المؤمنين قد رأيت ما حل بي من الضعف والعلة ، فإن رأيت أن تطلقني . فقال : أين تريد ؟ قلت : مكة . فقال : اذهب راشدا ، فسار إلى مكة فما لبث بها إلا قليلا حتى مات رحمه الله تعالى . وقد كان يعقوب هذا يعظ المهدي في تعاطيه شرب النبيذ بين يديه ، وكثرة سماع الغناء فكان يلومه على ذلك ويقول : ما على هذا استوزرتني ، ولا على هذا صحبتك ، أبعد الصلوات الخمس في المسجد الحرام يشرب الخمر ويغني بين يديك ؟ فيقول له المهدي : فقد سمع عبد الله بن جعفر ، فقال له يعقوب : إن ذلك لم يكن له من حسناته ، ولو كان هذا قربة لكان كلما داوم عليه العبد أفضل . وفي ذلك يقول بعض الشعراء حثا للمهدي على ذلك : فدع عنك يعقوب بن داود جانبا * وأقبل على صهباء طيبة النشر وفيها ذهب المهدي إلى قصره المسمى بعيسا باذ - بني له بالآجر بعد القصر الأول الذي بناه باللبن - فسكنه وضرب هناك الدراهم والدنانير . وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن ولم يفعل أحد هذا قبل هذه السنة . وفيها خرج موسى الهادي إلى جرجان . وفيها ولى القضاء أبا يوسف ( 2 ) صاحب أبي حنيفة . وفيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد عامل الكوفة . ولم يكن
--> ( 1 ) في الفخري ص 186 : من في هذا البيت . ( 2 ) وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبنة الأنصاري .