ابن كثير

159

البداية والنهاية

في هذه السنة صائفة للهدنة التي كانت بين الرشيد وبين الروم . وفيها توفي صدقة بن عبد الله السمين ، وأبو الأشهب العطاردي ، وأبو بكر النهشلي ، وعفير بن معدان . ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة فيها وجه المهدي ابنه موسى الهادي إلى جرجان في جيش كثيف لم ير مثله ، وجعل على رسائله أبان بن صدقة . وفيها توفي عيسى بن موسى الذي كان ولي العهد من بعد المهدي : مات بالكوفة فأشهد نائبها روح بن حاتم على وفاته القاضي وجماعة من الأعيان . ثم دفن . وكان قد امتنع من الصلاة عليه فكتب إليه المهدي يعنفه أشد التعنيف ، وأمر بمحاسبته على عمله . وفيها عزل المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل وولاه الربيع بن يونس الحاجب ، فاستخلف فيه سعيد بن واقد وكان أبو عبيد الله يدخل على مرتبته . وفيها وقع وباء شديد وسعال كثير ببغداد والبصرة ، وأظلمت الدنيا حتى كانت كالليل حتى تعالى النهار ، وكان ذلك لليال ( 1 ) بقين من ذي الحجة من هذه السنة . وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبرا بين يديه ، وكان المتولي أمر مزنادقة عمر الكلواذي . وفيها أمر المهدي بزيادة كثيرة في المسجد الحرام ، فدخل في ذلك دور كثيرة ، وولى ذلك ليقطين بن موسى الموكل بأمر الحرمين ، فلم يزل في عمارة ذلك حتى مات المهدي كما سيأتي . ولم يكن للناس صائفة للهدنة . وحج بالناس نائب المدينة إبراهيم بن [ يحيى بن ] ( 2 ) محمد وتوفي بعد فراغه من الحج بأيام . وولى مكانه إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس . وممن توفي فيها من الأعيان بشار بن برد أبو معاذ الشاعر مولى عقيل ، ولد أعمى ، وقال الشعر وهو دون عشر سنين ، وله التشبيهات التي لم يهتد إليها البصراء . وقد أثنى عليه الأصمعي والجاحظ وأبو تمام وأبو عبيدة ، وقال له ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر . فلما بلغ المهدي أنه هجاه وشهد عليه قوم أنه زنديق أمر به فضرب حتى مات عن بضع وسبعين سنة . وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات ، فقال : بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي مولاهم ، وقد نسبه صاحب الأغاني فأطال نسبه . وهو بصري قدم بغداد أصله من طخارستان ( 3 ) ، وكان ضخما عظيم الخلق ، وشعره في أول طبقات المولدين ، ومن شعره البيت المشهور :

--> ( 1 ) في ابن الأثير 6 / 76 : لثلاث ليال مضين . ( 2 ) من الطبري وابن الأثير ومروج الذهب . ( 3 ) طخارستان : ناحية كبيرة مشتملة على بلدان وراء نهر بلخ على جيحون خرج منها جماعة من العلماء .