ابن كثير
155
البداية والنهاية
وضلالته خلق من الطغام وسفهاء الأنام ، والسفلة من العوام ، فلما كان في هذا العام لجأ إلى قلعة كش فحاصره سعيد الحريثي ( 1 ) فألح عليه في الحصار ، فلما أحس بالغلبة تحسى سما وسم نساءه فماتوا جميعا ، عليهم لعائن الله . ودخل الجيش الاسلامي قلعته فاحتزوا رأسه وبعثوا به إلى المهدي ، وكان المهدي بحلب . قال ابن خلكان : كان اسم المقنع عطاء ، وقيل جكيم ، والأول أشهر ( 2 ) . وكان أولا قصارا ثم ادعى الربوبية ، مع أنه كان أعور قبيح المنظر ، وكان يتخذ له وجها من ذهب ( 3 ) ، وتابعه على جهالته خلق كثير ، وكان يرى الناس قمرا يرى من مسيرة شهرين ثم يغيب ، فعظم اعتقادهم له ومنعوه بالسلاح ، وكان يزعم - لعنة الله وتعالى عما يقولون علوا كبيرا - أن الله ظهر في صورة آدم ، ولهذا سجدت له الملائكة ، ثم في نوح ، ثم في الأنبياء واحدا واحدا ، ثم تحول إلى أبي مسلم الخراساني ، ثم تحول إليه . ولما حاصروه المسلمون في قلعته التي كان جددها بناحية كش مما وراء النهر ويقال لها سنام ( 4 ) ، تحسى هو ونساؤه سما فماتوا واستحوذ المسلمون على حواصله وأمواله . وفيها جهز المهدي البعوث من خراسان وغيرها من البلاد لغزو الروم ، وأمر على الجميع ولده هارون الرشيد ، وخرج من بغداد مشيعا له ، فسار معه مراحل ( 5 ) واستخلف على بغداد ولده موسى الهادي ، وكان في هذا الجيش الحسن ( 6 ) بن قحطبة والربيع الحاجب وخالد بن برمك - وهو مثل الوزير للرشيد ولي العهد - ويحيى بن خالد - وهو كاتبه وإليه النفقات - وما زال المهدي مع ولده مشيعا له حتى بلغ الرشيد إلى بلاد الروم ، وارتاد هناك المدينة المسماة بالمهدية في بلاد الروم ، ثم رجع إلى الشام وزار بيت المقدس ، فسار الرشيد إلى بلاد الروم في جحافل عظيمة ، وفتح الله عليهم فتوحات كثيرة ، وغنموا أموالا جزيلة جدا ، وكان لخالد بن برمك في ذلك أثر جميل لم يكن لغيره ، وبعثوا بالبشارة مع سليمان بن برمك إلى المهدي فأكرمه المهدي وأجزل عطاءه . وفيها عزل المهدي عمه عبد الصمد بن علي عن الجزيرة وولى عليها زفر بن عاصم الهلالي ، ثم عزله وولى عبد الله بن صالح بن علي . وفيها ولى المهدي ولده هارون الرشيد بلاد المغرب وأذربيجان وأرمينية ، وجعل على رسائله يحيى بن خالد بن برمك ، وولى وعزل جماعة من النواب . وحج بالناس فيها علي بن المهدي .
--> ( 1 ) في الطبري 9 / 342 : الحرشي . ( 2 ) في الآثار الباقية ص 211 : اسمه هاشم بن حكيم . ( 3 ) قيل له المقنع لأنه كان لا يسفر عن وجهه بل اتخذ وجها من ذهب تقنع به فقد كان مشوه الخلق . ( 4 ) في المشترك 254 لياقوت : وسنام أربعة مواضع والموضع الرابع منها سنام قلعة عمرها المقنع الخارجي بما وراء النهر . قال ابن خلكان : انها من رستاق كش . ( 5 ) عسكر بالبردان ( انظر الطبري 9 / 342 - ابن الأثير 6 / 60 ) . ( 6 ) من الطبري وابن الأثير ، وفي الأصل : الحسين وهو تحريف .