ابن كثير

130

البداية والنهاية

اللون موفر اللمة خفيف اللحية ، رحب الجبهة ، أقنى الانف ، أعين كأن عينيه لسانان ناطقان ، يخالطه أبهة الملك ، وتقبله القلوب ، وتتبعه العيون ، يعرف الشرف في مواضعه ، والعنف في صورته ، والليث في مشيته ، هكذا وصفه بعض من رآه . وقد صح عن ابن عباس أنه قال : " منا السفاح والمنصور " وفي رواية " حتى نسلمها إلى عيسى بن مريم " . وقد روي مرفوعا ولا يصح ولا وقفه أيضا . وذكر الخطيب أن أمه سلامة قالت : رأيت حين حملت به كأنه خرج مني أسد فزأر واقفا على يديه ، فما بقي أسد حتى جاء فسجد له . وقد رأى المنصور في صغره مناما غريبا كان يقول : ينبغي أن يكتب في ألواح الذهب ، ويعلق في أعماق الصبيان . قال : رأيت كأني في المسجد الحرام وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة والناس مجتمعون حولها ، فخرج من عنده مناد : أين عبد الله ؟ فقام أخي السفاح يتخطى الرجال حتى جاء باب الكعبة فأخذ بيده فأدخله إياها ، فما لبث أن خرج ومعه لواء أسود . ثم نودي أين عبد الله ؟ فقمت أنا وعمي عبد الله بن علي نستبق ، فسبقته إلى باب الكعبة فدخلتها ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وبلال ، فعقد لي لواء وأوصاني بأمته وعممني عمامة كورها ثلاثة وعشرون كورا ، وقال : " خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة " . وقد اتفق سجن المنصور في أيام بني أمية فاجتمع به نوبخت المنجم وتوسم فيه الرياسة فقال له : ممن تكون ؟ فقال : من بني العباس ، فلما عرف منه نسبه وكنيته قال : أنت الخليفة الذي تلي الأرض . فقال له : ويحك ماذا تقول ؟ فقال : هو ما أقول لك ، فضع لي خطك في هذه الرقعة أن تعطيني شيئا إذا وليت . فكتب له ، فلما ولي أكرمه المنصور وأعطاه وأسلم نوبخت على يديه ، وكان قبل ذلك مجوسيا . ثم كان من أخص أصحاب المنصور . وقد حج المنصور بالناس سنة أربعين ومائة ، وأحرم من الحيرة ، وفي سنة أربع وأربعين ، وفي سنة سبع وأربعين . وفي سنة ثنتين وخمسين ، ثم في هذه السنة التي مات فيها . وبنى بغداد والرصافة والرافقة وقصره الخلد . قال الربيع بن يونس الحاجب : سمعت المنصور يقول : الخلفاء أربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي . والملوك أربعة : معاوية وعبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك ، وأنا . وقال مالك : قال لي المنصور : من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : أبو بكر . وعمر . فقال : أصبت وذلك رأي أمير المؤمنين . وعن إسماعيل البهري قال : سمعت المنصور على منبر عرفة يوم عرفة يقول : أيها الناس ! إنما أنا سلطان الله في أرضه ، أسوسكم بتوفيقه ورشده ، وخازنه على ماله أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه ، وقد جعلني الله عليه قفلا فإن شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم فتحني ، وإذا شاء أن يقفلني عليه قفلني . فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهبكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه ، إذ يقول : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ) [ المائدة : 3 ] . أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والاحسان إليكم ويفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم ، فإنه سميع مجيب .