ابن كثير

131

البداية والنهاية

وقد خطب يوما فاعترضه رجل وهو يثني على الله عز وجل ، فقال : يا أمير المؤمنين أذكر من أنت ذاكره ، واتق الله فيما تأتيه وتذره . فسكت المنصور حتى انتهى كلام الرجل فقال : أعوذ بالله أن أكون ممن قال الله عز وجل فيه ( وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ) [ البقرة : 206 ] أو أن أكون جبارا عصيا ، أيها الناس ! إن الموعظة علينا نزلت ومن عندنا نبتت . ثم قال للرجل : ما أظنك في مقالتك هذه تريد وجه الله ، وإنما أردت أن يقال عنك وعظ أمير المؤمنين ، أيها الناس : لا يغرنكم هذا فتفعلوا كفعله ثم أمر به فاحتفظ به وعاد إلى خطبته فأكملها ، ثم قال لمن هو عنده : أعرض عليه الدنيا فإن قبلها فأعلمني ، وإن ردها فأعلمني ، فما زال به الرجل الذي هو عنده حتى أخذ المال ومال إلى الدنيا فولاه الحسبة والمظالم وأدخله على الخليفة في بزة حسنة ، وثياب وشارة وهيئة دنيوية ، فقال له الخليفة : ويحك ! لو كنت محقا مريدا وجه الله بما قلت على رؤوس الناس لما قبلت شيئا مما أرى ، ولكن أردت أن يقال عنك إنك وعظت أمير المؤمنين ، وخرجت عليه ، ثم أمر به فضربت عنقه . وقد قال المنصور لابنه المهدي : إن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى ، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة . والرعية لا يصلحها إلا العدل ، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، وأنقص ( 1 ) الناس عقلا من ظلم من هو دونه . وقال أيضا : يا بني استدم النعمة بالشكر ، والقدرة بالعفو ، والطاعة بالتأليف ، والنصر بالتواضع والرحمة للناس ، ولا تنس نصيبك من الدنيا ونصيبك من رحمة الله . وحضر عنده مبارك بن فضالة يوما وقد أمر برجل أن يضرب عنقه وأحضر النطع والسيف ، فقال له مبارك : سمعت الحسين يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم من كان أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا " فأمر بالعفو عن ذلك الرجل . ثم أخذ يعدد على جلسائه عظيم جرائم ذلك الرجل وما صنعه . وقال الأصمعي : أتي المنصور برجل ليعاقبه فقال : يا أمير المؤمنين الانتقام عدل والعفو فضل ، وتعوذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين ، وأدنى القسمين ، دون أرفع الدرجتين . قال فعفا عنه . وقال الأصمعي : قال المنصور لرجل من أهل الشام : أحمد الله يا أعرابي الذي دفع عنكم الطاعون بولايتنا . فقال إن الله لا يجمع علينا حشفا وسوء كيل ، ولايتكم والطاعون . والحكايات في ذكر حلمه وعفوه كثيرة جدا . ودخل بعض الزهاد على المنصور فقال : إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها ، واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة ، واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده . قال : فأفحم المنصور قوله وأمر له بمال فقال : لو احتجت إلى مالك لما وعظتك ودخل عمرو بن عبيد القدري على المنصور فأكرمه وعظمه وقربه وسأله عن أهله وعياله ، ثم قال له : عظني . فقرأ عليه سورة الفجر إلى ( إن ربك لبالمرصاد ) [ الفجر : 14 ] فبكى المنصور بكاء شديدا حتى كأنه لم يسمع بهذه الآيات قبل ذلك ، ثم قال له : زدني . فقال : إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك

--> ( 1 ) في الطبري 9 / 300 وأعجا