ابن كثير

124

البداية والنهاية

من سبي السند فنزل الأوزاع فغلب عليه النسبة إليها . وقال غيره : ولد ببعلبك ونشأ بالبقاع يتيما في حجر أمه ، وكانت تنتقل به من بلد إلى بلد ، وتأدب بنفسه ، فلم يكن في أبناء الملوك والخلفاء والوزراء والتجار وغيرهم أعقل منه ، ولا أورع ولا أعلم ، ولا أفصح ولا أوقر ولا أحلم ، ولا أكثر صمتا منه ، ما تكلم بكلمة إلا كان المتعين على من سمعها من جلسائه أن يكتبها عنه ، من حسنها ، وكان يعاني الرسائل والكتابة ، وقد اكتتب مرة في بعث إلى اليمامة فسمع من يحيى بن أبي كثير وانقطع إليه فأرشده إلى الرحلة إلى البصرة ليسمع من الحسن وابن سيرين . فسار إليها فوجد الحسن قد توفي من شهرين ووجد ابن سيرين مريضا ، فجعل يتردد لعيادته ، فقوي المرض به ومات ولم يسمع منه الأوزاعي شيئا . ثم جاء فنزل دمشق بمحلة الأوزاع خارج باب الفراديس ، وساد أهلها في زمانه وسائر البلاد في الفقه والحديث والمغازي وغير ذلك من علوم الاسلام . وقد أدرك خلقا من التابعين وغيرهم ، وحدث عنه جماعات من سادات المسلمين ، كمالك بن أنس والثوري والزهري ، وهو من شيوخه . وأثنى عليه غير واحد من الأئمة ، وأجمع المسلمون على عدالته وإمامته . قال مالك : كان الأوزاعي إماما يقتدى به . وقال سفيان بن عيينة وغيره : كان الأوزاعي إمام أهل زمانه ، وقد حج مرة فدخل مكة وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله ، ومالك بن أنس يسوق به ، والثوري يقول : أفسحوا للشيخ حتى أجلساه عند الكعبة ، وجلسا بين يديه يأخذان عنه . وقد تذاكر مالك والأوزاعي مرة بالمدينة من الظهر حتى صليا العصر ، ومن العصر حتى صليا المغرب ، فغمره الأوزاعي في المغازي ، وغمره مالك في الفقه . أو في شئ من الفقه . وتناظر الأوزاعي والثوري في مسجد الخيف في مسألة رفع اليدين في الركوع والرفع منه . فاحتج الأوزاعي على الرفع في ذلك بما رواه عن الزهري عن سالم عن أبيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الركوع والرفع منه " . واحتج الثوري على ذلك بحديث يزيد بن أبي زياد . فغضب الأوزاعي وقال : تعارض حديث الزهري بحديث يزيد بن أبي زياد وهو رجل ضعيف ؟ فاحمر وجه الثوري ، فقال الأوزاعي : لعلك كرهت ما قلت ؟ قال : نعم . قال : فقم بنا حتى نلتعن عند الركن أينا على الحق . فسكت الثوري . وقال هقل بن زياد : أفتى الأوزاعي في سبعين ألف مسألة بحدثنا . وأخبرنا . وقال أبو زرعة : روي عنه ستون ألف مسألة . وقال غيرهما : أفتى في سنة ثلاث عشرة ومائة وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة ، ثم لم يزل يفتي حتى مات وعقله زاك . وقال يحيى القطان عن مالك : اجتمع عندي الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة فقلت : أيهم أرجح ؟ قال : الأوزاعي . وقال محمد بن عجلان : لم أر أحدا أنصح للمسلمين من الأوزاعي . وقال غيره : ما رئي الأوزاعي ضاحكا مقهقها قط ، ولقد كان يعظ الناس فلا يبقى أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه ، وما رأيناه يبكي في مجلسه قط وكان إذا خلى بكى حتى يرحم . وقال يحيى بن معين : العلماء أربعة : الثوري ، وأبو حنيفة ومالك ، والأوزاعي . قال أبو حاتم : كان ثقة متبعا لما سمع . قالوا : وكان الأوزاعي لا يلحن في كلامه ، وكانت كتبه ترد على المنصور فينظر فيها ويتأملها ويتعجب من فصاحتها وحلاوة عبارتها . وقد قال المنصور يوما لاحظي كتابه عنده - وهو سليمان بن مجالد - : ينبغي أن نجيب الأوزاعي على ذلك