ابن كثير

125

البداية والنهاية

دائما ، لنستعين بكلامه فيما نكاتب به إلى الآفاق إلى من لا يعرف كلام الأوزاعي . فقال : والله يا أمير المؤمنين لا يقدر أحد من أهل الأرض على مثل كلامه ولا على شئ منه . وقال الوليد بن مسلم : كان الأوزاعي إذا صلى الصبح جلس يذكر الله سبحانه حتى تطلع الشمس ، وكان يأثر عن السلف ذلك . قال : ثم يقومون فيتذاكرون في الفقه والحديث . وقال الأوزاعي : رأيت رب العزة في المنام فقال : أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فقلت : بفضلك أي رب . ثم قلت : يا رب أمتني على الاسلام . فقال : وعلى السنة . وقال محمد بن شعيب بن شابور : قال لي شيخ بجامع دمشق : أنا ميت في يوم كذا وكذا . فلما كان في ذلك اليوم رأيته في صحن الجامع يتفلى ، فقال لي : اذهب إلى سرير الموتى فاحرزه لي عندك قبل أن تسبق إليه . فقلت : ما تقول ؟ فقال : هو ما أقول لك ، وإني رأيت كأن قائلا يقول فلان قدري وفلان كذا وعثمان بن العاتكة نعم الرجل ، وأبو عمرو الأوزاعي خير من يمشي على وجه الأرض ، وأنت ميت في يوم كذا وكذا . قال محمد بن شعيب : فما جاء الظهر حتى مات وصلينا عليه بعدها وأخرجت جنازته . ذكر ذلك ابن عساكر . وكان الأوزاعي رحمه الله كثير العبادة حسن الصلاة ورعا ناسكا طويل الصمت ، وكان يقول : من أطال القيام في صلاة الليل هون الله عليه طول القيام يوم القيامة ، أخذ ذلك من قوله تعالى : ( ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ، إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ) [ الانسان : 26 - 27 ] وقال الوليد بن مسلم : ما رأيت أحدا أشد اجتهادا من الأوزاعي في العبادة . وقال غيره : حج فما نام على الراحلة ، إنما هو في صلاة ، فإذا نعس استند إلى القتب ، وكان من شدة الخشوع كأنه أعمى . ودخلت امرأة على امرأة الأوزاعي فرأت الحصير الذي يصلي عليه مبلولا فقالت لها : لعل الصلبي بال ههنا . فقالت : هذا أثر دموع الشيخ من بكائه في سجوده ، هكذا يصبح كل يوم . وقال الأوزاعي : عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس ، وإياك وأقوال الرجال وإن زخرفوه وحسنوه ، فإن الامر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم . وقال أيضا : اصبر على السنة وقف حيث يقف القوم ، وقل ما قالوا وكف عما كفوا ، وليسعك ما وسعهم . وقال : العلم ما جاء عن أصحاب محمد ، وما لم يجئ عنهم فليس بعلم . وكان يقول : لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلب مؤمن . وإذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم باب الجدل وسد عنهم باب العلم والعمل . قالوا : وكان الأوزاعي من أكرم الناس وأسخاهم ، وكان له في بيت المال على الخلفاء أقطاع صار إليه من بني أمية وقد وصل إليه من خلفاء بني أمية وأقاربهم وبني العباس نحو من سبعين ألف دينار ، فلم يمسك منها شيئا ، ولا اقتنى شيئا من عقار ولا غيره ، ولا ترك يوم مات سوى سبعة ( 1 ) دنانير كانت جهازه ، بل كان ينفق ذلك كله في سبيل الله وفي الفقراء والمساكين . ولما دخل عبد الله بن علي - عم السفاح الذي أجلى بني أمية عن الشام ، وأزال الله سبحانه دولتهم على يده - دمشق فطلب الأوزاعي فتغيب عنه ثلاثة أيام ثم حضر بين يديه . قال الأوزاعي :

--> ( 1 ) في تذكرة الحفاظ 1 / 183 : ستة دنانير .