ابن كثير
122
البداية والنهاية
عبد الملك أمير المؤمنين في ذلك فأنشده تسعا وعشرين قصيدة على حروف المعجم ، كل قصيدة نحوا من مائة بيت ، وزعم أنه لا يسمى شاعر من شعراء العرب إلا أنشد له ما لا يحفظه غيره . فأطلق له مائة ألف درهم . وذكر أبو محمد الحريري في كتابه درة الغواص ( 1 ) : أن هشام بن عبد الملك استدعاه من العراق من نائبه يوسف بن عمر ، فلما دخل عليه إذا هو في دار قوراء مرخمة بالرخام والذهب ، وإذا عنده جاريتان حسنتان جدا ، فاستنشده شيئا فأنشده ، فقال له : سل حاجتك : فقال : كائنة ما كانت يا أمير المؤمنين ؟ فقال : وما هي ؟ فقال تطلق لي إحدى هاتين الجاريتين . فقال : هما وما عليهما لك ، وأخلاه في بعض داره وأطلق له مائة ألف درهم . هذا ملخص الحكاية ، والظاهر أن هذا الخليفة إنما هو الوليد بن يزيد ، فإنه ذكر أنه شرب معه الخمر ، وهشام لم يكن يشرب . ولم يكن نائبه على العراق يوسف بن عمر ، إنما كان نائبه خالد بن عبد الله القسري ، وبعده يوسف بن عمر بن عبد العزيز . كانت وفاة حماد في هذه السنة عن ستين سنة . قال ابن خلكان : وقيل إنه أدرك أول خلافة المهدي في سنة ثمان وخمسين فالله أعلم . وفيها قتل حماد عجرد على الزندقة . وهو حماد بن عمر ين يوسف ( 2 ) بن كليب الكوفي ، ويقال إنه واسطي ، مولى بني سواد ( 3 ) ، وكان شاعرا ماجنا ظريفا زنديقا متهما على الاسلام ، وقد أدرك الدولتين الأموية والعباسية ، ولم يشتهر إلا في أيام بني العباس ، وكان بينه وبين بشار بن برد مهاجاة كثيرة ، وقد قتل بشار هذا على الزندقة أيضا كما سيأتي ، ودفن مع حماد هذا في قبره ( 4 ) ، وقيل إن حمادا عجرد مات سنة ثمان وخمسين ، وقيل إحدى وستين ومائة فالله أعلم . ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائة فيها ظفر الهيثم بن معاوية نائب المنصور على البصرة ، بعمرو بن شداد الذي كان عاملا لإبراهيم بن محمد ( 5 ) على فارس ، فقيل : أمر فقطعت يداه ورجلاه وضربت عنقه ثم صلب . وفيها عزل المنصور الهيثم بن معاوية هذا الذي فعل هذه الفعلة عن البصرة وولى عليها قاضيها سوار بن عبد الله ، فجمع له بين القضاء والصلاة ، وجعل على شرطتها وأحداثها سعيد بن دعلج ، ورجع الهيثم بن
--> ( 1 ) انظر درة الغواص ص 177 . والقصة في تهذيب ابن عساكر ووفيات الأعيان 2 / 207 . ( 2 ) في وفيات الأعيان 2 / 210 : يونس . ( 3 ) سوأة بن عامر بن صعصعة المعروف بعجرد . ( 4 ) كتب على قبريهما أبو هشام الباهلي : قد تبع الأعمى قفا عجرد * فأصبحا جارين في دار صارا جميعا في يدي مالك * في النار أو الكافر في النار ( 5 ) في الطبري وابن الأثير : عبد الله .