ابن كثير
113
البداية والنهاية
عني . معناه : ما لكم تجمعتم علي تجمعكم على مجنون ؟ انكشفوا عني . وقال غيره : كان به ضيق النفس فسقط بسببه فاعتقد الناس أنه مصروع . فجعلوا يعودونه ويقرأون عليه ، فلما أفاق من غشيته قال ، ما قال : فقال بعضهم : إني حسبته - يتكلم بالفارسية - وذكر ابن خلكان أنه كان صاحبا لأبي عمرو بن العلاء ، وأن عيسى بن عمر قال يوما لأبي عمرو بن العلاء : أنا أفصح من معد بن عدنان . فقال له أبو عمرو كيف تقرأ هذا البيت : قد كن يخبأن الوجوه تسترا * فاليوم حين بدأن للنظار ( 1 ) أو بدين ؟ فقال بدين . فقال أبو عمرو : أخطأت ، ولو قال : بدأن لأخطأ أيضا . وإنما أراد أبو عمرو تغليطه ، وإنما الصواب بدون من بدا يبدو إذا ظهر ، وبدأ يبدأ إذا شرع في الشئ . ثم دخلت سنة خمسين ومائة من الهجرة فيها خرج رجل من الكفرة يقال له أستاذسيس في بلاد خراسان فاستحوذ على أكثرها ، والتف معه نحو من ثلاثمائة ألف ، وقتلوا من المسلمين هنالك خلقا كثيرا ، وهزموا الجيوش التي في تلك البلاد ، وسبوا خلقا كثيرا ، وتحكم الفساد بسببهم ، وتفاقم أمرهم ، فوجه المنصور خازم بن خزيمة إلى ابنه المهدي ليوليه حرب تلك البلاد ، ويضم إليه من الأجناد ما يقاوم أولئك . فنهض المهدي في ذلك نهضة هاشمية ، وجمع لخازم بن خزيمة الامرة على تلك البلاد والجيوش ، وبعثه في نحو من أربعين ألفا ، فسار إليهم وما زال يراوغهم ويماكرهم ويعمل الخديعة فيهم حتى فاجأهم بالحرب ، وواجههم بالطعن والضرب ، فقتل منهم نحوا من سبعين ألفا ، وأسر منهم أربعة عشر ألفا ، وهرب ملكهم استاذسيس فتحرز في جبل ، فجاء خازم إلى تحت الجبل وقتل أولئك الاسرى كلهم ولم يزل يحاصره حتى نزل على حكم بعض الأمراء ، فحكم أن يقيد بالحديد هو وأهل بيته ، وأن يعتق من معه من الأجناد - وكانوا ثلاثين ألفا - ففعل خازم ذلك كله وأطلق لكل واحد ممن كان مع استاذسيس ثوبين ، وكتب بما وقع من الفتح إلى المهدي ، فكتب المهدي بذلك إلى أبيه المنصور . وفيها عزل الخليفة عن إمرة المدينة جعفر بن سليمان وولاها الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب . وفيها حج بالناس عبد الصمد بن علي عم الخليفة . وتوفي فيهما جعفر ابن أمير المؤمنين المنصور ودفن أولا بمقابر بني هاشم من بغداد ، ثم نقل منها إلى موضع آخر . وفيها توفي عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أحد أئمة أهل الحجاز ، ويقال إنه أول من جمع السنن . وعثمان بن الأسود ، وعمر بن محمد بن زيد . وفيها توفي الإمام أبو حنيفة .
--> ( 1 ) البيت للربيع بن زياد العبسي .