ابن كثير

112

البداية والنهاية

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة فيها بعث المنصور حميد بن قحطبة لغزو الترك الذين عاثوا في السنة الماضية ببلاد تفليس ، فلم يجد منهم أحدا فإنهم انشمروا إلى بلادهم . وحج بالناس فيها جعفر بن أبي جعفر ( 1 ) ، ونواب البلاد فيها هم المذكورون في التي قبلها . وفيها توفي جعفر بن محمد الصادق المنسوب إليه كتاب اختلاج الأعضاء وهو مكذوب عليه . وفيها توفي سليمان بن مهران الأعمش أحد مشايخ الحديث في ربيع الأول منها ، وعمرو بن الحارث ، والعوام بن حوشب ، والزبيدي ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى . ومحمد بن عجلان . ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة فيها فرغ من بناء سور بغداد وخندقها . وفيها غزا الصائفة العباس بن محمد فدخل بلاد الروم ومعه الحسن ( 2 ) بن قحطبة ومحمد بن الأشعث . ومات محمد بن الأشعث في الطريق . وفيها حج بالناس محمد بن إبراهيم بن [ محمد بن ] علي وولاه المنصور على مكة والحجاز عوضا عن عمه عبد الصمد بن علي . وعمال الأمصار فيها هم الذين كانوا في السنة قبلها . وفيها توفي زكريا بن أبي زائدة ، وكهمس بن الحسن ، والمثنى بن الصباح . وعيسى بن عمرو أبو عمرو الثقفي البصري النحوي شيخ سيبويه . يقال إنه من موالي خالد بن الوليد ، وإنما نزل في ثقيف فنسب إليهم . كان إماما كبيرا جليلا في اللغة والنحو والقراءات ، أخذ ذلك عن عبيد الله بن كثير وابن المحيص وعبد الله بن أبي إسحاق ، وسمع الحسن البصري وغيرهم . وعنه الخليل بن أحمد والأصمعي وسيبويه . ولزمه وعرف به وانتفع به ، وأخذ كتابه الذي سماه بالجامع فزاد عليه وبسطه ، فهو كتاب سيبويه اليوم ، وإنما هو كتاب شيخه ، وكان سيبويه يسأل شيخه الخليل بن أحمد عما أشكل عليه فيه ، فسأله الخليل أيضا عما صنف عيسى بن عمر فقال : جمع بضعا وسبعين كتابا ذهبت كلها إلا كتاب الاكمال ، وهو بأرض فارس . وهو الذي أشتغل فيه وأسألك عن غوامضه ، فأطرق الخليل ساعة ثم أنشد : ذهب النحو جميعا كله * غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال وهذا جامع * وهما للناس شمس وقمر وقد كان عيسى يغرب ويتقعر في عبارته جدا . وقد حكى الجوهري عنه في الصحاح : أنه سقط يوما عن حماره فاجتمع عليه الناس فقال : ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي مرة ( 3 ) ؟ افرنقعوا

--> ( 1 ) في ابن الأثير 5 / 589 : أبو جعفر المنصور . ( 2 ) من الطبري 9 / 276 وابن الأثير 5 / 590 وفي الأصل : الحسين وهو تحريف . ( 3 ) في رواية ابن خلكان 3 / 487 عن الصحاح : جنة ( وانظر الصحاح ص 66 و 1258 ) .