ابن كثير
11
البداية والنهاية
لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم * إن الذباب ( 1 ) إذا ما ألحمت رتعوا لا تبقرن بأيديكم بطونكم * فثم لا حسرة تغني ولا جزع فلما استوثق ليزيد بن الوليد أمره ، وبايعه من بايعه من الناس ، قصد دمشق فدخلها في غيبة الوليد فبايعه أكثر أهلها في الليل ، وبلغه أن أهل المزة قد بايعوا كبيرهم معاوية بن مصاد ، فمضى إليه يزيد ماشيا في نفر من أصحابه ، فأصابهم في الطريق خطر شديد ، فأتوه فطرقوا بابه ليلا ثم دخلوا فكلمه يزيد في ذلك فبايعه معاوية بن مصاد ، ثم رجع يزيد من ليلته إلى دمشق على طريق القناة وهو على حمار أسود ، فحلف أصحابه أنه لا يدخل دمشق إلا في السلاح ، فلبس سلاحا من تحت ثيابه فدخلها ، وكان الوليد قد استناب على دمشق في غيبته عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف الثقفي ، وعلى شرطتها أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي ، فلما كان ليلة الجمعة اجتمع أصحاب يزيد بين العشائين عند باب الفراديس ، فلما أذن العشاء الآخرة دخلوا المسجد ، فلما لم يبق في المسجد غيرهم بعثوا إلى يزيد بن الوليد فجاءهم فقصدوا باب المقصورة ففتح لهم خادم ، فدخلوا فوجدوا أبا العاج وهو سكران ، فأخذوا خزائن بيت المال وتسلموا الحواصل ، وتقووا بالأسلحة ، وأمر يزيد بإغلاق أبواب البلد ، وأن لا يفتح إلا لمن يعرف ، فلما أصبح الناس قدم أهل الحواضر من كل جانب فدخلوا من سائر أبواب البلد ، كل أهل محلة من الباب الذي يليهم ، فكثرت الجيوش حول يزيد بن الوليد بن عبد الملك في نصرته ، وكلهم قد بايعه بالخلافة . وقد قال فيه بعض العشراء في ذلك : فجاءتهم أنصارهم حين أصبحوا * سكاسكها أهل البيوت الصنادد وكلب فجاءوهم بخيل وعدة * من البيض والأبدان ثم السواعد فأكرم بها أحياء أنصار سنة * هم منعوا حرماتها كل جاحد وجاءتهم شيبان والأزد شرعا * وعبس ولخم بين حام وذائد وغسان والحيان قيس وتغلب * وأحجم عنها كل وإن وزاهد فما أصبحوا إلا وهم أهل ملكها * قد استوثقوا من كل عات ومارد وبعث يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد في مائتي فارس إلى قطنا ( 2 ) ليأتوه بعبد الملك بن محمد بن الحجاج نائب دمشق وله الأمان ، وكان قد تحصن هناك ، فدخلوا عليه فوجدوا عنده خرجين في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار ، فلما مروا بالمزة قال أصحاب ابن مصاد : خذ هذا المال فهو خير من يزيد بن الوليد ، فقال : لا والله لا تحدث العرب أني أول من خان ، ثم أتوا به يزيد بن الوليد فاستخدم من ذلك المال جندا للقتال قريبا من ألفي فارس ، وبعث به مع أخيه عبد العزيز بن
--> ( 1 ) في الطبري 9 / 8 وابن الأثير 5 / 284 : دئاب . . . إن الذئاب . ( 2 ) في الطبري 9 / 10 : قطن ، وفي ابن الأثير 5 / 285 : ليأخذوه من قصره .