ابن كثير

12

البداية والنهاية

الوليد بن عبد الملك خلف الوليد بن يزيد ليأتوا به ، وركب بعض موالي الوليد فرسا سابقا فساق به حتى انتهى إلا مولاه من الليل ، وقد نفق الفرس من السوق ، فأخبره الخبر فلم يصدقه وأمر بضربه ، ثم تواترت عليه الاخبار فأشار عليه بعض أصحابه أن يتحول من منزله إلى حمص فإنها حصينة . وقال الأبرش سعيد بن الوليد الكلبي : أنزل على قومي بتدمر ، فأبى أن يقبل شيئا من ذلك ، بل ركب بمن معه ، وهو في مائتي فارس ، وقصد أصحاب يزيد فالتقوا بثقلة في أثناء الطريق فأخذوه ، وجاء الوليد فنزل حصن البخراء الذي كان للنعمان بن بشير ، وجاءه رسول العباس بن الوليد إني آتيك - وكان من أنصاره - فأمر الوليد بإبراز سريره فجلس عليه وقال : أعلي يتوثب الرجال وأنا أثب على الأسد وأتخصر للأفاعي ؟ وقدم عبد العزيز بن الوليد بمن معه ، وإنما كان قد خلص معه من الألفي فارس ثمانمائة فارس ، فتصافوا فاقتتلوا قتالا شديدا ، فقتل من أصحاب العباس جماعة حملت رؤوسهم إلى الوليد ، وقد كان جاء العباس بن الوليد لنصرة الوليد بن يزيد ، فبعث إليه أخوه عبد العزيز فجئ به قهرا حتى بايع لأخيه يزيد بن الوليد ، واجتمعوا على حرب الوليد بن يزيد ، فلما رأى الناس اجتماعهم فروا من الوليد إليهم ، وبقي الوليد في دل وقل من الناس ، فلجأ إلى الحصن فجاؤوا إليه وأحاطوا به من كل جانب يحاصرونه ، فدنا الوليد من باب الحصن فنادى ليكلمني رجل شريف ، فكلمه يزيد بن عنبسة السكسكي ، فقال الوليد : ألم أدفع الموت ( 1 ) عنكم ؟ ألم أعط فقراءكم ؟ ألم أخدم نساءكم ( 2 ) ؟ فقال يزيد ( 3 ) : إنما ننقم عليك انتهاك المحارم وشرب الخمور ونكاح أمهات أولاد أبيك ، واستخفافك بأمر الله عز وجل . فقال ، حسبك يا أخا السكاسك ، لقد أكثرت وأغرقت ، وإن فيما أحل الله لي لسعة عما ذكرته . ثم قال : أما والله لئن قتلتموني لا ترتقن فتنتكم ولا يلم شعثكم ولا تجتمع كلمتكم . ورجع إلى القصر فجلس ووضع بين يديه مصحفا فنشره وأقبل يقرأ فيه وقال : يوم كيوم عثمان ، واستسلم ، وتسور عليه أولئك الحائط ، فكان أول من نزل إليه يزيد بن عنبسة ، فتقدم إليه وإلى جانبه سيف فقال : نحه عنك ، فقال الوليد : لو أردت القتال به لكان غير هذا ، فأخذ بيده وهو يريد أن يحبسه حتى يبعث به إلى يزيد بن الوليد ، فبادره عليه عشرة من الأمراء فأقبلوا على الوليد يضربونه على رأسه ووجهه بالسيوف حتى قتلوه ( 4 ) ، ثم جروه برجله ليخرجوه ، فصاحت النسوة فتركوه ، واحتز أبو علاقة القضاعي رأسه ، واحتاطوا على ما كان معه مما كان خرج به في وجهه ذلك ، وبعثوا به إلى يزيد مع عشرة نفر ، منهم منصور بن جمهور وروح بن مقبل وبشر مولى كنانة من بني كلب ، وعبد الرحمن

--> ( 1 ) في الطبري 9 / 15 وابن الأثير 5 / 287 : المؤن . ( 2 ) في الطبري وابن الأثير : زمناكم . ( 3 ) في الإمامة والسياسة 2 / 135 : عبد السلام . وذكر كلاما له علاقة بمقتل خالد بن عبد الله القسري . ( 4 ) في ابن الأثير 5 / 288 : ضربه عبد السلام اللخمي على رأسه وضربه السندي بن زياد بن أبي كبشة في وجهه . ثم احتز رأسه عبد السلام ( انظر الطبري ) .