الشيخ السبحاني
65
موسوعة طبقات الفقهاء ( المقدمة )
والاستحسان ، وهو ممّن توسّع في القياس والاستحسان وقدّمه على الأثر المنقول عن الصحابة ، وقد نقل عنه أنّه قال : إنّما آخذ بكتاب اللّه إذا وجدته ، فما لم أجد فيه أخذت بسنّة رسول اللّه والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات ، فإذا لم أجد في كتاب اللّه ولا سنّة رسول اللّه أخذت بقول من شئت من أصحابه وأدع قول من شئت ثمّ لا أخرج من قولهم إلى غيرهم ، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم ( النخعي ) والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن الحسين فلي أن أجتهد كما اجتهدوا . ( 1 ) والظاهر انّه كان يجتهد في الأقوال المنقولة ، كالصحابة ويأخذ بما وافق القياس ، وتميّز فقهه بإخراج الناس من المأزق بإعمال الحيل الشرعية ، وقد تقدّم الكلام عند البحث في مصادر الفقه . وقد انتشر مذهبه بفضل أتباعه خاصة بعدما بسط العثمانيون نفوذهم على معظم الأمصار الإسلامية ، وجعلوا المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي للدولة ، وأمروا القضاة أن يعملوا وفق فقهه ، فصار الفقه الرائج هو الفقه الحنفي ، فدخل : مصر ، والشام ، وتونس ، والجزائر ، وطرابلس ، واليمن ، وآسيا الوسطى ; يقول ابن خلدون : وأمّا أبو حنيفة فقلّده اليوم أهل العراق ومسلمة الهند والصين وما وراء النهر وبلاد العجم كلها لما كان مذهبه أخص بالعراق ودار السلام ، وكان تلاميذه صحابة الخلفاء من بني العباس ، فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية ، وحسنت مباحثهم في الخلافيات ، وجاءوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة . ( 2 )
--> 1 . تاريخ بغداد : 13 / 368 . 2 . مقدمة ابن خلدون : 448 .