الشيخ السبحاني

64

موسوعة طبقات الفقهاء ( المقدمة )

الفقهي الإسلامي عمود ، ولا اخضرّ له عود . ولكن المعروف انّ أبا حنيفة لم يعتمد على السنّة إلاّ قليلاً . يقول ابن خلدون في هذا الصدد : إنّ الأئمّة المجتهدين تفاوتوا في الإكثار من هذه الصناعة والإقلال ، فأبو حنيفة يقال بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثاً أو نحوها ، ومالك إنّما صحّ عنده ما في كتاب الموطأ وغايتها ثلاثمائة حديث أو نحوها ، وأحمد بن حنبل في مسنده خمسون ألف حديث ولكل ما أداه إليه اجتهاده في ذلك وقد تقوّل بعض المبغضين المتعسفين إلى أنّ منهم من كان قليل البضاعة في الحديث ، فلهذا قلت روايته - ثمّ رد على ذلك الزعم بقوله - وإنّما قلّل منهم من قلّل الرواية لأجل المطاعن التي تعترضه فيها ، والعلل التي تعرض في طرقها سيّما والجرح مقدّم عند الأكثر ، فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثلَ ذلك فيه من الأحاديث وطُّرق الأسانيد ويكثر ذلك فتقلُّ روايته لضعف في الطُّرق . إلى أن قال : والإمام أبو حنيفة إنّما قلّت روايته لما شدّد في شروط الرواية والتحمّل وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي وقلّت من أجلها روايته ، فقلَّ حديثه لا أنّه ترك رواية الحديث متعمداً . ( 1 ) أقول : أين هذا التشدّد في الأخذ بالحديث ممّا عليه أهل الحديث من الأخذ بكل حديث صحيح وسقيم ، وإذا لم يثبت عنده إلاّ سبعة عشر حديثاً فما هو مصدر الأحاديث التي استخرجها أصحاب الصحاح ، وهذا هو الإمام البخاري استخرج صحيحه من ستمائة ألف حديث ، وكان الإمام ابن حنبل يحفظ ألف ألف حديث ؟ ولأجل هذا التشدّد لم يجد أبو حنيفة محيصاً عن التمسّك بقواعد ، كالقياس

--> 1 . ابن خلدون : المقدمة : 444 - 445 ، الفصل السادس في علوم الحديث .