ابن الجوزي
15
كشف المشكل من حديث الصحيحين
عازب : لا ، حتى تحدثنا كيف فعلت ليلة سريت مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ؟ فقال أبو بكر : أسرينا ليلتنا . . . ( 1 ) الرحل للبعير كالسرج للدابة . وقوله : لا ، حتى تحدثنا . كان بعض المتأخرين من شيوخ المحدثين الذين لم يذوقوا طعم العلم ، فلم يبارك لهم فيما سمعوه لسوء مقاصدهم يحتج بهذا في جواز أخذ الأجرة على التحديث . ولا يبعد من ناقل لا يفهم ما ينقل أن يكون مبلغ علمه الاحتجاج بمثل هذا ، فأما من اطلع على سير القوم بفهم ، فإنه يعلم أنه ما كان هذا بينهم على وجه الأجرة ، فإن أبا بكر لم يكن ليبخل على عازب بالحديث ، ولا هو ممن يبخل عليه بحمل الرحل ، وإنما هو انبساط الصديق إلى صديقه ، فإنه ربما قال له : لا أقضي حاجتك حتى تأكل معي . يحقق هذا أن عازبا من الأنصار ، وهم قد آثروا المهاجرين بأموالهم ، وأسكنوهم في ديارهم ، طلبا لثواب الله عز وجل فكيف يبخل على أبي بكر بقضاء حاجة ! والمهم من الكلام في هذا أن نقول : قد علم أن حرص الطلبة للعلم قد فتر ، لا بل قد بطل ، فينبغي للعلماء أن يحببوا إليهم العلم . فإذا رأى طالب الأثر أن الأستاذ يباع ، والغالب على الطلبة الفقر ، ترك الطلب ، فكان هذا سببا لموت السنة ، ويدخل هؤلاء في معنى « الذين يصدون عن سبيل الله » . وقد رأينا من كان على قانون السلف في نشر العلم ، فبورك له في حياته وبعد مماته ، ورأينا من كان على السيرة التي
--> ( 1 ) البخاري ( 3615 ) ، وأطرافه في ( 2439 ) ، ومسلم ( 2009 ) .