ابن الجوزي

268

كشف المشكل من حديث الصحيحين

الصحيح ( 1 ) ، وقد رواه أحمد في « مسنده » فقال فيه : « إن الله يحدث في أمره ما يشاء ، وإنه قد أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة » ( 2 ) . كان الكلام في الصلاة مباحا ثم حرم ، واختلفوا متى حرم ( 3 ) ؟ فقال قوم : حرم ورسول الله بمكة ، واستدلوا بهذا الحديث . قالوا : وإنما رجع ابن مسعود من عند النجاشي إلى مكة . وقال آخرون : إنما حرم بالمدينة بدليل ما في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم في الصلاة ، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جانبه في الصلاة حتى نزلت : * ( وقوموا لله قانتين ) * [ البقرة : 238 ] فأمرنا بالسكوت ( 4 ) . قالوا وزيد من الأنصار ، وإنما أسلم بالمدينة . وابن مسعود لما عاد إلى مكة من الحبشة رجع في الهجرة الثانية إلى النجاشي ، ثم قدم على رسول الله بالمدينة وهو يتجهز لبدر . وقال الخطابي : إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة يسيرة ، فأجاب الأولون بأن الظاهر تجدد هذه الحال في غيبة ابن مسعود الأولى لأنه قال : فلما رجعنا من عند النجاشي ، ولم يقل في المرة الثانية ، وحملوا حديث زيد على أنه إخبار عن الصحابة المتقدمين ، كما يقول القائل : قتلناكم وهزمناكم ، يعنون الآباء والأجداد . وقول الخطابي يحتاج إلى تاريخ ، والتاريخ بعيد . ورأيت أبا حاتم بن حبان الحافظ قد ذكر في هذا شيئا حسنا ، فإنه قال : لقد توهم من لم يحكم صناعة العلم أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة لحديث زيد بن أرقم ، وليس كذلك ؛ لأن الكلام في

--> ( 1 ) البخاري ( 1199 ) ، ومسلم ( 538 ) . ( 2 ) « المسند » ( 1 / 409 ، 435 ، 463 ) . ( 3 ) ( واختلفوا متى حرم ) من ر ، س . ( 4 ) البخاري ( 1200 ) ، ومسلم ( 539 ) .