ابن الجوزي

206

كشف المشكل من حديث الصحيحين

أحدها : أن أصل التلبية الإقامة بالمكان ، يقال : ألببت بالمكان : إذا أقمت به ، ولببت ، لغتان ، ثم قلبوا الباء الثانية إلى الياء استثقالا ، كما قالوا : تظنيت ، فكأن قوله لبيك : أي أنا عندك ، وأنا مقيم معك ، وقد أجبتك ، ثم بنوه للتوكيد ، فكان المعنى : أقمت عندك إقامة بعد إقامة ، وإجابة بعد إجابة ، حكاه أبو عبيد عن الخليل ( 1 ) . والثاني : أنه بمعنى اتجاهي إليك ، مأخوذ من قولهم : داري تلب دارك : أي تواجهها . والثالث : أنه بمعنى محبتي لك ، مأخوذ من قولهم : امرأة لبة إذا كانت محبة لولدها ، عاطفة عليه ( 2 ) . ومعنى سعديك : ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة . وقال ابن الأنباري : معناه أسعدك الله إسعادا بعد إسعاد ( 3 ) . قوله : والشر ليس إليك : أي ليس مضافا إليك . وقد يشكل هذا فيقال : أليس كل شيء بقدر ؟ فالجواب : أن المعنى : لا يضاف الشر إليك فتخاطب به تأدبا لك ، فلا يقال : يا قاتل الأنبياء ، ويا مضيق الرزق ، وإنما تخاطب بما يليق بالأدب ، فيقال : يا كريم يا رحيم . ويقول المذنب : ظلمت نفسي ، ولا يقول : أنت قضيت ، لأنه كالمناظرة . والمراد من العبادة الذل للمعبود ، ولهذا المعنى لما قام آدم مقام العبودية قال : * ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) * [ الأعراف : 23 ] فلما التقى بموسى قال له : « أتلومني على أمر

--> ( 1 ) « العين - لبى » ( 8 / 341 ) ، و « غريب أبي عبيد » ( 2 / 15 ) ، و « الزاهر » ( 1 / 197 ) . ( 2 ) « الزاهر » ( 1 / 197 ) . ( 3 ) السابق ( 1 / 200 ) .