ابن الجوزي
165
كشف المشكل من حديث الصحيحين
في كتابي المسمى بالتلقيح ( 1 ) . وقوله : ورأيت هديه : أي سمته وطريقته . وقوله : جلد رسول الله أربعين ، وأبو بكر أربعين ، وعمر ثمانين ، وكل سنة . في هذا إشكال : وهو أن يقال : كيف يجوز أن يجعل فعل الصحابي سنة ؟ وكيف ساوى بين الأربعين والثمانين ؟ فالجواب : أنه سيأتي في مسند أنس : أن رسول الله جلد بجريد النخل نحو أربعين ، وفعله أبو بكر ، فلما كان عمر استشار الناس ، فقال عبد الرحمن : أخف الحدود ثمانون ، فأمر به عمر ( 2 ) . وبيان ذلك أن رسول الله لم يحد في ذلك حدا يرجع إليه ، وإنما كان مقصوده التأديب والردع ، فاتفق أنه جلد نحو الأربعين ، فلما تتايع ( 3 ) الناس في شرب الخمر رأى عمر الزيادة في الردع ، وأصل الردع مسنون ، فكذلك فرعه ، ثم إنما أطلقه بعدد مشروع ولم يقف برأيه على عدد ، فلذلك قال علي : وكل سنة . وقال أبو سليمان الخطابي : قول علي عند الأربعين : حسبك ، دليل على أن أصل الحد في الخمر إنما هو أربعون ، وما وراءه تعزير ، وللإمام أن يزيد في العقوبة إذا أداه اجتهاده إلى ذلك . ولو كانت الثمانون حدا ما كان لأحد فيه الخيار . قال : وقوله : وكل سنة ؛ لأن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال : « اقتدوا بالذين من بعدي : أبي بكر وعمر » ( 4 ) .
--> ( 1 ) « التلقيح » ( 410 - 415 ) . ( 2 ) الحديث ( 1592 ) ولم يذكر فيه شيئا ، وأحال على مسند عثمان . ( 3 ) تتايع : أقبل وأسرع . ( 4 ) « المعالم » ( 3 / 339 ) ، والحديث في الترمذي ( 3662 ) وحسنه ، وهو في « المستدرك » ( 3 / 75 ) .