أبي بكر الكاشاني
206
بدائع الصنائع
نصيبها من ذلك ما تكتفى به في السكنى وتستتر عن سائر الورثة ممن ليس بمحرم لها وإن كان نصيبها لا يكفيها أو خافت على متاعها منهم فلا بأس أن تنتقل وإنما كان كذلك لان السكنى وجبت بطريق العبادة حقا لله تعالى عليها والعبادات تسقط بالاعذار وقد روى أنه لما قتل عمر رضي الله عنه نقل علي رضي الله عنه أم كلثوم رضي الله عنها لأنها كانت في دار الإجارة وقد روى أن عائشة رضي الله عنها نقلت أختها أم كلثوم بنت أبي بكر رضي الله عنه لما قتل طلحة رضي الله عنه فدل ذلك على جواز الانتقال للعذر وإذا كانت تقدر على أجرة البيت في عدة الوفاة فلا عذر فلا تسقط عنها العبادة كالمتيمم إذا قدر على شرط الماء بان وجد ثمنه وجب عليه الشراء وان لم يقدر لا يجب لعذر العدم كذا ههنا وإذا انتقلت لعذر يكون سكناها في البيت الذي انتقلت إليه بمنزلة كونها في المنزل الذي انتقلت منه في حرمة الخروج عنه لان الانتقال من الأول إليه كان لعذر فصار المنزل الذي انتقلت إليه كأنه منزلها من الأصل فلزمها المقام فيه حتى تنقضي العدة وكذا ليس للمعتدة من طلاق ثلاث أو بائن أن تخرج من منزلها الذي تعتد فيه إلى سفر إذا كانت معتدة من نكاح صحيح وهي على الصفات التي ذكرناها ولا يجوز للزوج أن يسافر بها أيضا لقوله تعالى ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن وقوله عز وجل هن كناية عن المعتدات ولان الزوجية قد زالت بالثلاث والبائن فلا يجوز له المسافرة بها وكذا المعتدة من طلاق رجعي ليس لها أن تخرج إلى سفر سواء كان سفر حج فريضة أو غير ذلك لا مع زوجها ولا مع محرم غيره حتى تنقضي عدتها أو يراجعها لعموم قوله تعالى ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن من غير فصل بين خروج وخروج ولما ذكرنا ان الزوجية قائمة لان ملك النكاح قائم فلا يباح لها الخروج لأن العدة لما منعت أصل الخروج فلان تمنع من خروج مديد وهو الخروج إلى السفر أولى وإنما استوى فيه سفر الحج وغيره وإن كان حج الاسلام فرضا لان المقام في منزلها واجب لا يمكن تداركه بعد انقضاء العدة وسفر الحج واجب يمكن تداركه بعد انقضاء العدة لان جميع العمر وقته فكان تقديم واجب لا يمكن تداركه بعد الفوت جمعا بين الواجبين فكان أولى وليس لزوجها أن يسافر بها عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر له ذلك واختلف مشايخنا في تخريج قول زفر قال بعضهم إنما قال ذلك لأنه قد ثبت من أصل أصحابنا ان الطلاق الرجعي عدم في حق الحكم قبل انقضاء العدة فكان الحال قبل الرجعة وبعدها سواء وقال بعضهم إنما قال ذلك لان المسافرة بها رجعة عنده دلالة ووجهه ان اخراج المعتدة من بيت العدة حرام فلو لم يكن من قصده الرجعة لم يسافر بها ظاهرا تحرزا عن الحرام فيجعل المسافرة بها رجعة دلالة حملا لامره على الصلاح صيانة له عن ارتكاب الحرام ولهذا جعلنا القبلة واللمس عن شهوة رجعة كذا هذا ولنا قوله تعالى ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا أن يأتين بفاحشة مبينة نهى الأزواج عن الاخراج والنساء عن الخروج وبه تبين فساد التخريج الأول لان نص الكتاب العزيز يقتضى حرمة اخراج المعتدة وإن كان ملك النكاح قائما في الطلاق الرجعي فيترك القياس في مقابلة النص واليه أشار أبو حنيفة فيما روى عنه أنه قال لا يسافر بها ليس من قبل انه غير زوج وهو زوج وهو بمنزلة المحرم لكن الله تعالى قال ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن وأما التخريج الثاني وهو قولهم إن مسافرة الزوج بها دلالة الرجعة فممنوع وما ذكروا أن الظاهر أنه يريد الرجعة تحرزا عن الحرام فذلك فيما كان النهى في التحريم ظاهرا فاما فيما كان خفيا فلا وحرمة اخراج المعتدة عن طلاق رجعي مع قيام ملك النكاح من كل وجه مما لا يخفى عن الفقهاء فضلا عن العوام فلا يثبت الامتناع عنه من طريق الدلالة مع ما ان الخلاف ثابت فيما إذا كان الزوج يقول إنه لا يراجعها نصا ولا معتبر بالدلالة مع التصريح بخلافها وإذا لم تكن المسافرة بها دلالة الرجعة فلو أخرجها لاخرجها مع قيام العدة وهذا حرام بالنص وقد قالوا فيمن خرجت محرمة فطلقها الزوج وبينها وبين مصرها أقل من ثلاثة أيام انها ترجع وتصير بمنزلة المحصر لأنها صارت ممنوعة من المضي في حجها لمكان العدة فاما إذا راجعها الزوج فقد بطلت العدة وعادت الزوجية فجاز له السفر بها ويستوى الجواب في حرمة الخروج والاخراج إلى السفر وما دون ذلك لعموم النهى الا ان النهى