أبي بكر الكاشاني
191
بدائع الصنائع
تكف ولم تجتنب ما تجتنبه المعتدة حتى أنقضت المدة انقضت عدتها وإذا لم يقف على فعلها فلان لا يقف على علمها به أولى وما روى عن علي رضي الله عنه محمول على أنها لم تعلم وقت الموت فأمرها بالاخذ باليقين وبه نقول وقد روى عنه رضي الله عنه في العدة انها من يوم الطلاق مثل قول العامة فاما ان يحمل على الرجوع أو على ما قلنا وأما بيان أنواع العدد فالعدد في الشرع أنواع ثلاثة عدة الأقراء وعدة الأشهر وعدة الحبل أما عدة الأقراء فلوجوبها أسباب منها الفرقة في النكاح الصحيح سواء كانت بطلاق أو بغير طلاق وإنما تجب هذه العدة لاستبراء الرحم وتعرف براءتها عن الشغل بالولد لأنها لو لم تجب ويحتمل انها حملت من الزوج الأول فتتزوج بزوج آخر وهي حامل من الأول فيطأها الثاني فيصير ساقيا ماءه زرع غيره وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره وكذا إذا جاءت بولد يشتبه النسب فلا يحصل المقصود ويضيع الولد أيضا لعدم المربى والنكاح سببه فكان تسببا إلى هلاك الولد وهذا لا يجوز فوجبت العدة ليعلم بها فراغ الرحم وشغلها فلا يؤدى إلى هذه العواقب الوخيمة وشرط وجوبها الدخول أو ما يجرى مجرى الدخول وهو الخلوة الصحيحة في النكاح الصحيح دون الفاسد فلا يجب بدون الدخول والخلوة الصحيحة لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها ولان وجوبها بطريق استبراء الرحم على ما بينا والحاجة إلى الاستبراء بعد الدخول لا قبله الا ان الخلوة الصحيحة في النكاح الصحيح أقيمت مقام الدخول في وجوب العدة التي فيها حق الله تعالى لان حق الله تعالى يحتاط في ايجابه ولان التسليم بالواجب بالنكاح قد حصل بالخلوة الصحيحة فتجب به العدة كما تجب بالدخول بخلاف الخلوة في النكاح الفاسد لان الخلوة الصحيحة إنما أقيمت مقام الدخول في وجوب العدة مع أنها ليست بدخول حقيقة لكونها سبب مفضيا إليه فأقيمت مقامه احتياطا إقامة للسبب مقام المسبب فيما يحتاط فيه والخلوة في النكاح الفاسد لا تفضى إلى الدخول لوجود المانع وهو فساد النكاح وحرمة الوطئ فلم توجد الخلوة الحقيقة إذ هي لا تتحقق الا بعد انتفاء الموانع أو وجدت بصفة الفساد فلا تقوم مقام الدخول وكذا التسليم الواجب بالعقد لم يوجد لان النكاح الفاسد لا يوجب التسليم فلا تجب العدة وأما الخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح فقد ذكرنا تفصيل الكلام فيها في كتاب النكاح وسواء كانت المطلقة حرة أو أمة قنة أو مدبرة أو مكاتبة أو مستسعاة لا يختلف أصل الحكم باختلاف الرق والحرية لان ما وجب له لا يختلف باختلافهما وإنما يختلف في القدر لما تبين والكلام في القدر يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وسواء كانت مسلمة أو كتابية تحت مسلم الحرة كالحرة والأمة كالأمة لأن العدة تجب بحق الله وبحق الزوج قال تعالى فما لكم عليهن من عدة تعتدونها والكتابية مخاطبة بحقوق العباد فتجب عليها العدة وتجبر عليها لأجل حق الزوج والوالد لأنها من أهل ايفاء حقوق العباد وإن كانت تحت ذمي فلا عدة عليها في الفرقة ولا في الموت في قول أبي حنيفة إذا كان ذلك كذلك في دينهم حتى لو تزوجت في الحال جاز وعند أبي يوسف ومحمد عليها العدة وذكر الكرخي في جامعه في الذمية تحت ذمي إذا مات عنها أو طلقها فتزوجت في الحال جاز الا أن تكون حاملا فلا يجوز نكاحها وجه قولهما ان الذمية من أهل دار الاسلام ألا ترى ان أهل الذمة يجرى عليهم سائر أحكام الاسلام كذا هذا الحكم ولأبي حنيفة انه لو وجبت عليها العدة اما أن تجب بحق الله تعالى أو بحق الزوج ولا سبيل إلى ايجابها بحق الزوج لان الزوج لا يعتقد حقا لنفسه ولا وجه إلى ايجابها بحق الله تعالى لأن العدة فيها معنى القربة وهي غير مخاطبة بالقربات الا انها إذا كانت حاملا تمنع من التزويج لان وطئ الزوج الثاني يوجب اشتباه النسب وحفظ النسب حق الولد فلا يملك ابطال حقه فكان على الحكم استيفاء حقه بالمنع من التزويج ولا عدة على المهاجرة في قول أبي حنيفة وعندهما عليها العدة والمسألة مرت في كتاب النكاح فان جاء الزوج مسلما وتركها في دار الحرب فلا عدة عليها في قولهم جميعا لان على أصل أبي حنيفة الكافرة تلزمها العدة لحق المسلم واختلاف الدارين يمنع ثبوت الحق لأحدهما على الآخر وعلى أصلهما وجوب