أبي بكر الكاشاني
129
بدائع الصنائع
الله عز وجل شرط وجزاء ومشيئتها ليست بشرط لان شرط الطلاق ما جعل علما على الطلاق وهو ما يكون دليلا على الطلاق من غير أن يكون وجود الطلاق به لان ذلك يكون علة لا شرطا ومشيئتها يتعلق بها وجود الطلاق بل هي تطليق منها وكذلك مشيئته بان قال لها أنت طالق ان شئت انا ألا ترى إذا قال لامرأته شئت طلاقك طلقت كما إذا قال طلقت فان قيل أليس انه إذا قال لامرأته أنت طالق ان طلقتك كان تعليقا للطلاق بشرط التطليق حتى لو طلقها يقع المنجز ثم ينزل المعلق والتعليق مما يحصل به الطلاق ومع هذا يصلح شرطا فالجواب ان التنجيز يحصل به الطلاق المنجز لا الطلاق المعلق بل الطلاق المعلق يحصل بغيره فكان التنجيز في حق الطلاق المعلق علما محضا فكان شرطا وكذلك إذا قال لها أنت طالق ان هويت أو أردت أو أحببت أو رضيت فهو مثل قوله إن شئت ويتعلق الطلاق بالخبر عن هذه الأشياء الا بحقائقها والأصل انه متى علق الطلاق بشئ لا يوقف عليه الا من جهتها يتعلق باخبارها عنه ومتى علق بشئ يوقف عليه من جهة غيرها لا يقبل قولها الا ببينة وعلى هذا مسائل إذا قال لها ان كنت تحبينني أو تبغضيني فأنت طالق فقالت أحب أو أبغض يقع الطلاق استحسانا والقياس أن لا يقع وجه القياس انه علق الطلاق بشرط لا يعلم وجوده فأشبه التعليق بمشيئة الله تعالى وجه الاستحسان انه علقه بأمر لا يوقف عليه الا من جهتها فيتعلق باخبارها عنه كأنه قال لها ان أخبرتيني عن محبتك أو بغضك إياي فأنت طالق ولو نص على ذلك لتعلق بنفس الاخبار كذا هذا وعلى هذا إذا قال لها ان كنت تحبين ان يعذبك الله بالنار أو ان كنت تكرهين الجنة فأنت طالق فقالت أحب النار أو أكره الجنة وقع الطلاق لما قلنا ولو قال إن كنت تحبيني بقلبك فأنت طالق فقالت أحبك بقلبي وفي قلبها غير ذلك يقع الطلاق في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد لا يقع وجه قوله إنه لما قيد المحبة بالقلب فقد علق الطلاق بحقيقة المحبة لا بالخبر عنها فإذا لم يكن في قلبها محبة لم يوجد الشرط فلا يقع الطلاق ولهما ان المحبة والكراهة لما كانتا من الأمور الباطنة التي لا يوقف عليها الا من جهتها تعلق الطلاق بنفس الاخبار عنهما دون الحقيقة وقد وجد وعلى هذا إذا قال لها ان حضت فأنت طالق فقالت حضت طلقت حين رأت الدم واستمر إلى ثلاثة أيام لان الحيض لا يوقف عليه الا من قبلها فيقبل قولها في ذلك وإذا استمر الدم إلى ثلاثة أيام تبين ان ما رأت كان حيضا من حين وجوده فوقع الطلاق من ذلك الوقت ولو قال لها ان حضت حيضة فأنت طالق لا يقع الطلاق ما لم تحض وتطهر لان الحيضة اسم للكامل ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس الا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة ويقع على الكامل حتى يقدر الاستبراء به وكما لها بانقضائها من ذلك باتصال جزء من الطهر بها فكان هذا في الحقائق تعليق الطلاق بالطهر ونظيره إذا قال إذا صمت يوما فأنت طالق وقع على صوم كل اليوم وذلك بدخول أول جزء من الليل فكأنه علق الطلاق بدخول الليل وكذا هذا وكذا إذا قال إن حضت نصف حيضة فأنت طالق لا تطلق ما لم تحض وتطهر لان نصف حيضة حيضة كاملة فكأنه قال إذا حضت حيضة وكذا إذا قال إذا حضت سدس حيضة أو ثلث حيضة لما قلنا وكذلك إذا قال إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق وإذا حضت نصفها الآخر فأنت طالق لا يقع الطلاق ما لم تحض وتطهر فإذا حاضت وطهرت يقع تطليقتان لأنه علق طلقة بنصف حيضة نصف حيضة كاملة وعلق طلقة أخرى بنصف تلك الحيضة بعينها وهي حيضة كاملة فكان هذا تعليق طلاقين بحيضة واحدة كاملة وكمالها بانقضائها واتصال الطهر بها وإذا اتصل بها الطهر طلقت تطليقتين ولو قال لها أنت طالق في حيضك أو مع حيضك فحين ما رأت الدم تطلق بشرط أن يستمر بها الدم إلى ثلاثة أيام لان كلمة في للظرف والحيض لا يصلح ظرفا للطلاق فيجعل شرطا فصار كأنه قال أنت طالق إذا حضت وكلمة مع للمقارنة فيقتضي كونه الطلاق مقارنا لحيضها فإذا رأت الدم ثلاثة أيام تبين ان المرئي كان حيضا من حين وجوده فيقع الطلاق من ذلك الوقت ولو قال لها أنت طالق في حيضك أو مع حيضتك فما لم تحض وتطهر لا تطلق لان الحيضة اسم للكامل وذلك باتصال الطهر ولو كانت حائضا في هذه الفصول كلها لا يقع ما لم تطهر من