الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
400
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
فتنتصروا منه . فأجمع رأيهم على قتله . فاتّخذوا أنابيب طوالا من رصاص واسعة الأفواه ، ثمّ أرسلوها في قرار العين ( 1 ) إلى أعلى الماء واحدة فوق الأخرى ، مثل البرابخ . ( 2 ) ونزحوا ما فيها من الماء . [ ثمّ حفروا في قرارها بئرا ضيّقة المدخل عميقة . فأرسلوا فيها نبيّهم ، وألقموا فاها صخرة عظيمة . ثمّ أخرجوا الأنابيب من الماء . ] ( 3 ) وقالوا : نرجو الآن أن ترضى عنّا آلهتنا ، إذا رأت أنّا قد قتلنا من كان يقع فيها ويصدّ عن عبادتها ، ودفنّاه تحت كبيرها يتشفّى منه ، فيعود لنا نورها ونضرتها ( 4 ) كما كان . فبقوا عامّة يومهم ، يسمعون أنين نبيّهم - عليه السّلام - وهو يقول : « سيّدي ، قد ترى ضيق مكاني وشدّة كربي . فارحم ضعف ركني وقلَّة حيلتي . وعجّل بقبض روحي . ولا تؤخر إجابة دعوتي » حتّى مات - عليه السّلام - . فقال اللَّه - جلّ جلاله - لجبرئيل : « يا جبرئيل ، أيظنّ عبادي هؤلاء الَّذين غرّهم حلمي ، وأمنوا مكري ، وعبدوا غيري ، وقتلوا رسولي ، أن يقوموا لغضبي ، ويخرجوا من سلطاني ! ؟ كيف ، وأنا المنتقم ممّن عصاني ولم يخش عقابي ! ؟ وإنّي حلفت بعزّتي لأجعلنّهم عبرة ونكالا للعالمين » . فلم يرعهم ، وهم في عيدهم ذلك ، إلَّا بريح عاصف شديد الحمرة . فتحيّروا فيها وذعروا منها ، وتضامّ بعضهم إلى بعض . ثمّ صارت الأرض من تحتهم حجر ( 5 ) كبريت يتوقّد ، وأظلَّتهم سحابة سوداء . فألقت عليهم كالقبّة جمرا يلتهب ، فذابت أبدانهم [ في النار ] ( 6 ) ، كما يذوب الرّصاص في النّار . فنعوذ باللَّه - تعالى ذكره - من غضبه ونزول نقمته . ولا حول ولا قوّة إلَّا باللَّه العليّ العظيم . وفي نهج البلاغة ( 7 ) : قال - عليه السّلام - : أين أصحاب مدائن الرّسّ الَّذين قتلوا النّبيّين وأطفؤوا ( 8 ) سنن المرسلين ، وأحيوا سنن الجبّارين ! ؟
--> 1 - المصدر : الأرض . 2 - البربخ : ما يعمل من الخزف ، للبئر ومجاري الماء . 3 - ليس في ن . 4 - المصدر : نضارتها . 5 - المصدر : كعجر . 6 - من المصدر . 7 - نهج البلاغة / 263 - ، الخطبة 182 . 8 - س ، أو : وأماتوا .