الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي
299
تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب
« ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 34 ) » : يعني ما وعظ به في تلك الآيات . وتخصيص المتّقين ، لأنّهم المنتفعون بها . وقيل ( 1 ) : المراد بالآيات ، القرآن . والصّفات المذكورة ، صفاته . « اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأَرْضِ » : قيل ( 2 ) : النّور في الأصل كيفيّة تدركها الباصرة أوّلا ، وبوساطتها سائر المبصرات ، كالكيفيّة الفائضة من النّيّرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما . وهو - بهذا المعنى - لا يصحّ إطلاقه على اللَّه - تعالى - إلَّا بتقدير مضاف - كقولك : زيد كرم ، أي : ذو كرم - أو على تجوّز ، بمعنى : « منوّر السّموات والأرض » ، وقد قرئ به . فإنّه - تعالى - نوّرّهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار ، أو بالملائكة والأنبياء [ والأوصياء ] ( 3 ) . أو : مدبّرهما . من قولهم للرئيس الفائق في التّدبير : « نور القوم » لأنّهم يهتدون به في الأمور . أو : موجدهما . فإنّ النّور ظاهر بذاته ، مظهر لغيره . وأصل الظَّهور هو الوجود ، كما أنّ أصل الخفاء هو العدم . واللَّه - سبحانه وتعالى - موجود بذاته ، موجد لما عداه . أو : الَّذي به تدرك أو يدرك أهلهما . من حيث إنّه يطلق على الباصرة ، - لتعلَّقها به ، أو لمشاركتها له في توقّف الإدراك عليه - ثمّ على البصيرة ، لأنّها أقوى إدراكا ، فإنّها تدرك نفسها وغيرها من الكليّات والجزئيّات ، الموجودات والمعدومات ، وتغوص في بواطنها ، وتتصرّف فيها بالتّركيب والتّحليل . ثمّ إنّ هذه الإدراكات ليست لذاتها ، وإلَّا لما فارقتها . فهي إذن من سبب يفيضها عليها ، وهو اللَّه - سبحانه وتعالى - ابتداء ، أو بتوسيط ( 4 ) من الملائكة والأنبياء ، ولذلك سمّوا نورا . ويقرب منه قول ابن عبّاس : معناه هادي من فيهما ، فهم بنوره يهتدون . فإضافته إليهما ، للدّلالة على سعة إشراقه . أو : لاشتمالهما على الأنوار الحسّيّة والعقليّة ، وقصور الإدراكات البشريّة عليهما وعلى المتعلَّق بهما والمدلول لهما . ( 5 )
--> 1 و 2 - نفس المصدر / 127 . 3 - ليس في المصدر . 4 - المصدر : بتوسّط . 5 - أنوار التنزيل 2 / 127 .