أبي بكر الكاشاني

193

بدائع الصنائع

والخروج من الاحرام انه يتحلل ويخرج من الاحرام فكان حلق ربع الرأس ارتفاقا كاملا فكانت جناية كاملة فيوجب كفارة كاملة وكذا حلق ربع اللحية لأهل بعض البلاد معتاد كالعراق ونحوها فكان حلق الربع منها كحلق الكل ولا حجة لمالك في الآية لان فيها نهيا عن حلق الكل وذا لا ينفى النهى عن حلق البعض فكان تمسكا بالمسكوت فلا يصح وما قاله الشافعي غير سديد لان آخذ ثلاث شعرات لا يسمى حالقا في العرف فلا يتناوله نص الحلق كما لا يسمى ماسح ثلاث شعرات ماسحا في العرف حتى لم يتناوله نص المسح على أن وجوب الدم متعلق بارتفاق كامل وحلق ثلاث شعرات ليس بارتفاق كامل فلا يوجب كفارة كاملة وقوله إنه نبات استفاد الامن بسبب الاحرام مسلم لكن هذا يقتضى حرمة التعرض لقليله وكثيره ونحن به نقول ولا كلام فيه وإنما الكلام في وجوب الدم وذا يقف على ارتفاق كامل ولم يوجد وقد خرج الجواب عن قولهما ان القليل والكثير يعرف بالمقابلة لما ذكرنا ان الربع كثير من غير مقابلة في بعض المواضع فيعمل عليه في موضع الاحتياط ولو أخذ شيئا من رأسه أو لحيته أو لمس شيئا من ذلك فانتثر منه شعرة فعليه صدقة لوجود الارتفاق بإزالة التفث هذا إذا حلق رأس نفسه فأما إذا حلق رأس غيره فعلى الحالق صدقة عندنا وقال مالك والشافعي لا شئ على الحالق وجه قولهما ان وجوب الجزاء لوجود الارتفاق ولم يوجد من الحالق ولنا أن المحرم كما هو ممنوع من حلق رأس نفسه ممنوع من حلق رأس غيره لقوله عز وجل ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله والانسان لا يحلق رأس نفسه عادة الا أنه لما حرم عليه حلق رأس غيره يحرم عليه حلق رأس نفسه من طريق الأولى فتجب عليه الصدقة ولا يجب عليه الدم لعدم الارتفاق في حقه وسواء كان المحلوق حلالا أو حراما لما قلنا غير أنه إن كان حلالا لا شئ عليه وإن كان حراما فعليه الدم لحصول الارتفاق الكامل له وسواء كان الحلق بأمر المحلوق أو بغير أمره طائعا أو مكرها عندنا وقال الشافعي إن كان مكرها فلا شئ عليه وان لم يكن مكرها لكنه سكت ففيه وجهان والصحيح قولنا لان الاكراه لا يسلب الحظر وكمال الارتفاق موجود فيجب عليه كمال الجزاء وليس له ان يرجع به على الحالق وعن القاضي أبى حازم انه يرجع عليه بالكفارة لان الحالق هو الذي أدخله في عهدة الضمان فكان له ان يرجع عليه كالمكره على اتلاف المال ولنا ان الارتفاق الكامل حصل له فلا يرجع على أحد إذ لو رجع لسلم له العوض والمعوض وهذا لا يجوز كالمغرور إذا وطئ الجارية وغرم العقر انه لا يرجع به على الغار لما قلنا كذا هذا وإن كان الحالق حلالا فلا شئ عليه وحكم المحلوق ما ذكرنا وان حلق شاربه فعليه صدقة لان الشارب تبع للحية الا ترى انه ينبت تبعا للحية ويؤخذ تبعا للحية أيضا ولأنه قليل فلا يتكامل معنى الجناية وذكر في الجامع الصغير محرم أخذ من شاربه فعليه حكومة عدل وهي ان ينظركم تكون مقادير أدنى ما يجب في اللحية من الدم وهو الربع فتجب الصدقة بقدره حتى لو كان مثل ربع اللحية يجب ربع قيمة الشاة لأنه تبع للحية وقوله أخذ من شاربه إشارة إلى القص وهو السنة في الشارب لا الحلق وذكر الطحاوي في شرح الآثار ان السنة فيه الحلق ونسب ذلك إلى أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله والصحيح ان السنة فيه القص لما ذكرنا انه تبع اللحية والسنة في اللحية القص لا الحلق كذا في الشارب ولان الحلق يشينه ويصير بمعنى المثلة ولهذا لم يكن سنة في اللحية بل كان بدعة فكذا في الشارب ولو حلق الرقبة فعليه الدم لأنه عضو كامل مقصود بالارتفاق بحلق شعره فتجب كفارة كاملة كما في حلق الرأس ولو نتف أحد الإبطين فعليه دم لما قلنا ولو نتف الإبطين جميعا تكفيه كفارة واحدة لان جنس الجناية واحد والحاظر واحد والجهة غير متقومة فتكفيها كفارة واحدة ولو نتف من أحد الإبطين أكثره فعليه صدقة لان الأكثر فيما له نظير في البدن لا يقام مقام كله بخلاف الرأس واللحية والرقبة وما لا نظير له في البدن ثم ذكر في الإبط النتف في الأصل وهو إشارة إلى أن السنة فيه النتف وهو كذلك وذكر في الجامع الصغير الحلق وهو إشارة إلى أنه ليس بحرام ولو حلق موضع المحاجم فعليه دم في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد فيه صدقة وجه قولهما ان موضع الحجامة غير مقصود بالحلق بل هو تابع فلا يتعلق بحلقه دم كحلق الشارب لأنه إذا لم يكن مقصودا بالحلق لا تتكامل الجناية بحلقه فلا تجب به كفارة كاملة