أبي بكر الكاشاني

192

بدائع الصنائع

ولان الطيب ماله رائحة طيبة وللحناء رائحة طيبة فكان طيبا وان خضبت المحرمة يديها بالحناء فعليها دم وإن كان قليلا فعليها صدقة لان الارتفاق الكامل لا يحصل الا بتطييب عضو كامل والقسط طيب لان له رائحة طيبة ولهذا يتبخر به ويلتذ برائحته والوسمة ليس بطيب لأنه ليس لها رائحة طيبة بل كريهة وإنما تغير الشعر وذلك ليس من باب الارتفاق بل من باب الزينة فان خاف ان يقتل دواب الرأس تصدق بشئ لأنه يزيل التفث وروى عن أبي يوسف فيمن خضب رأسه بالوسمة ان عليه دما لا لأجل الخضاب بل لأجل تغطية الرأس والكحل ليس بطيب وللمحرم أن يكتحل بكحل ليس فيه طيب وقال ابن أبي ليلى هو طيب وليس للمحرم ان يكتحل به وهذا غير سديد لأنه ليس له رائحة طيبة فلا يكون طيبا ويستوى في وجوب الجزاء بالتطيب الذكر والنسيان والطوع والكره عندنا كما في لبس المخيط خلافا للشافعي على ما مر والرجل والمرأة في الطيب سواء في الحظر ووجوب الجزاء لاستوائهما في الحاظر والموجب للجزاء وكذا القارن والمفرد الا أن على القارن مثلي ما على المفرد عندنا لأنه محرم باحرامين فادخل نقصا في احرامين فيؤاخذ بجزاءين ولا يحل للقارن والمفرد التطيب ما لم يحلقا أو يقصر البقاء الاحرام قبل الحلق أو التقصير فكان الحاظر باقيا فيبقى الحظر وكذا المعتمر لما قلنا وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم والله أعلم * ( فصل ) * وأما ما يجرى مجرى الطيب من إزالة الشعث وقضاء التفث فحلق الشعر وقلم الظفر أما الحلق فنقول لا يجوز للمحرم أن يحلق رأسه قبل يوم النحر لقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله وقول النبي صلى الله عليه وسلم المحرم الأشعث الأغبر وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحاج فقال الشعث التفث وحلق الرأس يزيل الشعث والتفث ولأنه من باب الارتفاق بمرافق المقيمين والمحرم ممنوع عن ذلك ولأنه نوع نبات استفاد الامن بسبب الاحرام فيحرم التعرض له كالنبات الذي استفاد الامن بسبب الحرم وهو الشجر والخلى وكذا لا يطلى رأسه بنورة لأنه في معنى الحلق وكذا لا يزيل شعرة من شعر رأسه ولا يطليها بالنورة لما قلنا فان حلق رأسه فان حلقه من غير عذر فعليه دم لا يجزيه غيره لأنه ارتفاق كامل من غير ضرورة وان حلقه لعذر فعليه أحد الأشياء الثلاثة لقوله عز وجل فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ولما روينا من حديث كعب بن عجرة ولان الضرورة لها أثر في التخفيف فخير بين الأشياء الثلاثة تخفيفا وتيسيرا وان حلق ثلثه أو ربعه فعليه دم وان حلق دون الربع فعليه صدقة كذا ذكر في ظاهر الرواية ولم يذكر الاختلاف وحكى الطحاوي في مختصره الاختلاف فقال إذا حلق ربع رأسه يجب عليه الدم في قول أبي حنيفة وفى قول أبى يوسف ومحمد لا يجب ما لم يحلق أكثر رأسه وذكر القدروي في شرحه مختصر الحاكم إذا حلق ربع رأسه يجب عليه دم في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف إذا حلق أكثره يجب وعند محمد إذا حلق شعرة يجب وقال الشافعي إذا حلق ثلاث شعرات يجب وقال مالك لا يجب الا بحلق الكل وعلى هذا إذا حلق لحيته أو ثلثها أو ربعها احتج مالك بقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله والرأس اسم لكل هذا المحدود وجه قول الشافعي أن الثلاث جمع صحيح فيقوم مقام الكل ولهذا قام مقام الكل في مسح الرأس ولان الشعر نبات استفاد الامن بسبب الاحرام فيستوي فيه قليله وكثيره كالنبات الذي استفاد الامن بسبب الحرم من الشجر والخلى واما الكلام بين أصحابنا فمبنى على أن حلق الكثير يوجب الدم والقليل يوجب الصدقة واختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير فجعل أبو حنيفة ما دون الربع قليلا والربع وما فوقه كثيرا وهما على ما ذكر الطحاوي جعلا ما دون النصف قليلا وما زاد على النصف كثيرا والوجه لهما ان القليل والكثير من أسماء المقابلة وإنما يعرف ذلك بمقابله فإن كان مقابله قليلا فهو كثير وإن كان كثيرا فهو قليل فيلزم منه أن يكون الربع قليلا لان ما يقابله كثير فكان هو قليلا والوجه لأبي حنيفة ان الربع في حلق الرأس بمنزلة الكل الا ترى ان من عادة كثير من الأجيال من العرب والترك والكرد الاقتصار على حلق ربع الرأس ولذا يقول القائل رأيت فلانا يكون صادقا في مقالته وان لم ير الا أحد جوانبه الأربع ولهذا أقيم مقام الكل في المسح وفى الخروج من الاحرام بان حلق ربع رأسه للتحلل