أبي بكر الكاشاني
191
بدائع الصنائع
استعمل في مأكول أو شقاق رجل لا يعطى له حكم الطيب كالشحم ولو كان الطيب في طعام طبخ وتغير فلا شئ على المحرم في أكله سواء كان يوجد ريحه أو لا لان الطيب صار مستهلكا في الطعام بالطبخ وإن كان لم يطبخ يكره إذا كان ريحه يوجد منه ولا شئ عليه لان الطعام غالب عليه فكان الطيب مغمورا مستهلكا فيه وان أكل عين الطيب غير مخلوط بالطعام فعليه الدم إذا كان كثيرا وقالوا في الملح يجعل فيه الزعفران أنه إن كان الزعفران غالبا فعليه الكفارة لان الملح يصير تبعا له فلا يخرجه عن حكم الطيب وإن كان الملح غالبا فلا كفارة عليه لأنه ليس فيه معنى الطيب وقد روى عن ابن عمر رضي الله عنهما انه كان يأكل الخشكنابخ الأصفر وهو محرم ويقول لا بأس بالخبيص الأصفر للمحرم فان تداوى المحرم بما لا يؤكل من الطيب لمرض أو علة أو اكتحل بطيب لعلة فعليه أي الكفارات شاء لما ذكرنا ان ما يحظره الاحرام إذا فعله المحرم لضرورة وعذر فعليه احدى الكفارات الثلاث ويكره للمحرم أن يشم الطيب والريحان كذا روى عن ابن عمر وجابر رضي الله عنهما انهما كرها شم الريحان للمحرم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا بأس به ولو شمه لا شئ عليه عندنا وقال الشافعي تجب عليه الفدية وجه قوله أن الطيب ماله رائحة والريحان له رائحة طيبة فكان طيبا وانا نقول نعم انه طيب لكنه لم يلتزق ببدنه ولا بثيابه شئ منه وإنما شم رائحته فقط وهذا لا يوجب الكفارة كما لو جلس عند العطارين فشم رائحة العطر الا أنه كره لما فيه من الارتفاق وكذا كل نبات له رائحة طيبة وكل ثمرة لها رائحة طيبة لأنه ارتفاق بالرائحة ولو فعل لا شئ عليه لأنه لم يلتزق ببدنه وثيابه شئ منه وحكى عن مالك أنه كان يأمر برفع العطارين بمكة في أيام الحج وذلك غير سديد لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوا ذلك فان شم المحرم رائحة طيب تطيب به قبل الاحرام لا بأس به لان استعمال الطيب حصل في وقت مباح فبقي شم نفس الرائحة فلا يمنع منه كما لو مر بالعطارين وروى ابن سماعة عن محمد أن رجلا لو دخل بيتا قد أجمر وطال مكثه بالبيت فعلق في ثوبه شئ يسير فلا شئ عليه لان الرائحة لم تتعلق بعين وبمجرد الرائحة لا يمنع منها فان استجمر بثوب فعلق بثوبه شئ كثير فعليه دم لان الرائحة ههنا تعلقت بعين وقد استعملها في بدنه فصار كما لو تطيب وذكر ابن رستم عن محمد فيمن اكتحل بكحل قد طيب مرة أو مرتين فعليه صدقة وإن كان كثيرا فعليه دم لان الطيب إذا غلب الكحل فلا فرق بين استعماله على طريق التداوي أو التطيب فان مس طيبا فلزق بيده فهو بمنزلة التطيب لأنه طيب به يده وان لم يقصد به التطيب لان القصد ليس بشرط لوجوب الكفارة وقالوا فيمن استلم الحجر فأصاب يده من طيبه أن عليه الكفارة لأنه استعمل الطيب وان لم يقصد به التطيب ووجوب الكفارة لا يقف على القصد فان داوى جرحا أو تطيب لعلة ثم حدث جرح آخر قبل أن يبرأ الأول فعليه كفارة واحدة لان العذر الأول باق فكان جهة الاستعمال واحدة فتكفيه كفارة واحدة كما قلنا في لبس المخيط ولا بأس بان يحتجم المحرم ويفتصد ويبط القرحة ويعصب عليه الخرقة ويجبر الكسر وينزع الضرس إذا اشتكى منه ويدخل الحمام ويغتسل لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم محرم بالفاحة والفصد وبط القرحة والجرح في معنى الحجامة ولأنه ليس في هذه الأشياء الا شق الجلدة والمحرم غير ممنوع عن ذلك ولأنها من باب التداوي والاحرام لا يمنع من التداوي وكذا جبر الكسر من باب العلاج والمحرم لا يمنع منه وكذا قلع الضرس وهو أيضا من باب إزالة الضرر فيشبه قطع اليد من الاكلة وذا لا يمنع منه المحرم كذا هذا وأما الاغتسال فلما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل وهو محرم وقال ما نفعل بأوساخنا فان غسل رأسه ولحيته بالخطمي فعليه دم في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد عليه صدقة لهما أن الخطمي ليس بطيب وإنما يزيل الوسخ فأشبه الأشنان فلا يجب به الدم وتجب الصدقة لأنه يقتل الهوام لا لأنه طيب ولأبي حنيفة أن الخطمي طيب لان له رائحة طيبة فيجب به الدم كسائر أنواع الطيب ولأنه يزيل الشعث ويقتل الهوام فأشبه الحلق فان خضب رأسه ولحيته بالحناء فعليه دم لان الحناء طيب لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى المعتدة ان تختضب بالحناء وقال الحناء طيب