أبي بكر الكاشاني

185

بدائع الصنائع

المحرم الذي وقصت به ناقته في أحافيق حردان فمات لا تخمروا رأسه ولا تفربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ولو حمل على رأسه شيئا فإن كان مما يقصد به التغطية من لباس الناس لا يجوز له ذلك لأنه كاللبس وإن كان مما لا يقصد به التغطية كإجانة أو عدل بزوضعه على رأسه فلا بأس بذلك لأنه لا يعد ذلك لبسا ولا تغطية وكذا لا يغطى الرجل وجهه عندنا وقال الشافعي يجوز له تغطية الوجه وأما المرأة فلا تغطي وجهها وكذا لا بأس أن تدل على وجهها بثوب وتجافيه عن وجهها احتج الشافعي بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال احرام الرجل في رأسه واحرام المرأة في وجهها جعل احرام كل واحد منهما في محل خاص ولا خصوص مع الشركة ولهذا لما خص الوجه في المرأة بان احرامها فيه لم يكن في رأسها فكذا في الرجل ولان مبنى أحوال المحرم على خلاف العادة وذلك فيما قلنا لان العادة هو الكشف في الرجال فكان الستر على خلاف العادة بخلاف النساء فان العادة فيهن الستر فكان الكشف خلاف العادة ولنا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال احرام الرجل في رأسه ووجهه ولا حجة له فيما روى لان فيه أن احرام الرجل في رأسه وهذا لا ينفى أن يكون في وجهه ولا يوجب أيضا فكان مسكونا عنه فيقف على قيام الدليل وقد قام الدليل وهو ما روينا وهكذا نقول في المرأة انا إنما عرفنا ان احرامها ليس في رأسها لا بقوله واحرام المرأة في وجهها بل بدليل آخر نذكره إن شاء الله تعالى ولا يلبس ثوبا اصبغ بورس أو زعفران وان لم يكن مخيطا لخبر ابن عمر رضي الله عنه ولان الورس والزعفران طيب والمحرم ممنوع من استعمال الطيب في بدنه ولا يلبس المعصفر وهو المصبوغ بالعصفر عندنا وقال الشافعي يجوز واحتج بما روى أن عائشة رضي الله عنها لبست الثياب المعصفرة وهي محرمة وروى أن عثمان رضي الله عنه أنكر على عبد الله بن جعفر لبس المعصفر في الاحرام فقال علي رضي الله عنه ما أرى أن أحدا يعلمنا السنة ولنا ما روى أن عمر رضي الله عنه أنكر على طلحة لبس المعصفر في الاحرام فقال طلحة رضي الله عنه إنما هو ممشق بمغرة فقال عمر رضي الله عنه انكم أئمة يقتدى بكم فدل انكار عمر واعتذار طلحة رضي الله عنهما على أن المحرم ممنوع من ذلك وفيه إشارة إلى أن الممشق مكروه أيضا لأنه قال إنكم أئمة يقتدى بكم أي من شاهد ذلك ربما يظن أنه مصبوغ بغير المغرة فيعتقد الجواز فكان سببا للوقوع في الحرام عسى فيكره ولان المعصفر طيب لان له رائحة طيبة فكان كالورس والزعفران وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقد روى عنها انها كرهت المعصفر في الاحرام أو يحمل على المصبوغ بمثل العصفر كالمغرة ونحوها وهو الجواب عن قول على عمر رضي الله عنه على أن قوله معارض بقول عثمان رضي الله عنه وهو انكاره فسقط الاحتجاج به للتعارض هذا إذا لم يكن مغسولا فاما إذا كان قد غسل حتى صار لا ينفض فلا بأس به لما روى عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا بأس أن يحرم الرجل في ثوب مصبوغ بورس أو زعفران قد غسل وليس له نفض ولا ردغ وقوله صلى الله عليه وسلم لا ينفض له تفسيران منقولان عن محمد روى عنه لا يتناثر صبغه وروى لا يفوح ريحه والتعويل على زوال الرائحة حتى لو كان لا يتناثر صبغه ولكن يفوح ريحه يمنع منه لان ذلك دليل بقاء الطيب إذ الطيب ماله رائحة طيبة وكذا ما صبغ بلون الهروي لأنه صبغ خفيف فيه أدنى صفرة لا توجد منه رائحة وقال أبو يوسف في الاملاء لا ينبغي للمحرم أن يتوسد ثوبا مصبوغا بالزعفران ولا الورس ولا ينام عليه لأنه يصير مستعملا للطيب فكان كاللبس ولا بأس بلبس الخز والصوف والقصب والبرد وإن كان مسلونا كالعدنى وغير لأنه ليس فيه أكثر من الزينة والمحرم غير ممنوع من ذلك ولا بأس أن يلبس الطيلسان لان الطيلسان ليس بمخيط ولا يزره كذا روى عن ابن عمر رضي الله عنه وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه لا بأس به والصحيح قول ابن عمر لان الزرة مخيط في نفسها فإذا زره فقد اشتمل المخيط عليه فيمنع منه ولأنه إذا زره لا يحتاج في حفظه إلى تكلف فأشبه لبس المخيط بخلاف الرداء والإزار ويكره أن يخلل الإزار بالخلال وان يعقد الإزار لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى محرما قد عقد ثوبه بحبل فقال له انزع الحبل ويلك وروى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كره أن