أبي بكر الكاشاني

184

بدائع الصنائع

الله عليه وسلم علم غرض السائل ومراده انه طلب منه بيان ما لا يلبسه المحرم بعد احرامه اما بقرينة حاله أو بدليل آخر أو بالوحي فأجاب عما في ضميره من غرضه ومقصوده ونظيره قوله تعالى خبرا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر فاجابه الله عز وجل بقوله ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره سأل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل أن يرزق من آمن أهل مكة من الثمرات فاجابه تعالى أنه يرزق الكافر أيضا لما علم أن مراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام من سؤاله أن يرزق ذلك المؤمن منهم دون الكافر فأجابه الله تعالى عما كان في ضميره كذا هذا والثالث أنه لما خص المخيط أنه لا يلبسه المحرم بعد تقدم السؤال عما يلبسه دل أن الحكم في غير المخيط بخلافه والتنصيص على حكم في مذكور إنما لا يدل على تخصيص ذلك الحكم به بشرائط ثلاثة أحدها ان لا يكون فيه حيد عن الجواب ممن لا يجوز عليه الحيد فاما إذا كان فإنه يدل عليه صيانة لمنصب النبي صلى الله عليه وسلم عن الحيد عن الجواب عن السؤال والثاني من المحتمل أن يكون حكم غير المذكور خلاف حكم المذكور وههنا لا يحتمل لأنه يقتضى أن لا يلبس المحرم أصلا وفيه تعريضه للهلاك بالحر أو البرد والعقل يمنع من ذلك فكان المنع من أحد النوعين في مثله اطلاقا للنوع الآخر ونظيره قوله تعالى الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه أن جعل الليل للسكون يدل على جعل النهار للكسب وطلب المعاش إذ لا بد من الفوت للبقاء وكان جعل الليل للسكون تعيينا للنهار لطلب المعاش والثالث أن يكون ذلك في غير الامر والنهى فاما في الامر والنهى فيدل عليه لما قد صح من مذهب أصحابنا أن الامر بالشئ نهى عن ضده والنهى عن الشئ أمر بضده والتنصيص ههنا في محل النهى فكان ذلك دليلا على أن الحكم في غير المخيط بخلافه والله عز وجل الموفق ولان لبس المخيط من باب الارتفاق بمرافق المقيمين والترفه في اللبس وحال المحرم ينافيه ولان الحاج في حال احرامه يريد أن يتوسل بسوء حاله إلى مولاه يستعطف نظره ومرحمته بمنزلة العبد المسخوط عليه في الشاهد أنه يتعرض بسوء حاله لعطف سيده ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم المحرم الأشعث الأغبر وإنما يمنع المحرم من لبس المخيط إذا لبسه على الوجه المعتاد فاما إذا لبسه لا على الوجه المعتاد فلا يمنع منه بان اتشح بالقميص أو اتزر بالسراويل لان معنى الارتفاق بمرافق المقيمين والترفه في اللبس لا يحصل به ولان لبس القميص والسراويل على هذا الوجه في معنى الارتداء والاتزار لأنه يحتاج في حفظه إلى تكلف كما يحتاج إلى التكلف في حفظ الرداء والإزار وذا غير ممنوع عنه ولو أدخل منكبيه في القباء ولم يدخل يديه في كميه جاز له ذلك في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا يجوز وجه قوله إن هذا لبس المخيط إذ اللبس هو التغطية وفيه تغطية أعضاء كثيرة بالمخيط من المنكبين والظهر وغيرها فيمنع من ذلك كادخال اليدين في الكمين ولنا أن الممنوع عنه هو اللبس المعتاد وذلك في القباء الالقاء على المنكبين مع ادخال اليدين في الكمين ولان الارتفاق بمرافق المقيمين والترفه في اللبس لا يحصل الا به ولم يوجد فلا يمنع منه ولان القاء القباء على المنكبين دون ادخال اليدين في الكمين يشبه الارتداء والاتزار لأنه يحتاج إلى حفظه عليه لئلا يسقط إلى تكلف كما يحتاج إلى ذلك في الرداء والإزار وهو لم يمنع من ذلك كذا هذا بخلاف ما إذا أدخل يديه في كميه لان ذلك لبس معتاد يحصل به الارتفاق به والترفه في اللبس ويقع به الامن عن السقوط ولو القاء على منكبيه وزره لا يجوز لأنه إذا زره فقد ترفه في لبس المخيط الا ترى انه لا يحتاج في حفظه إلى تكلف ولو لم يجد رداء وله قميص فلا بأس بان يشق قميصه ويرتدى به لأنه لما شقه صار بمنزلة الرداء وكذا إذا لم يجد إزارا وله سراويل فلا بأس ان يفتق سراويله خلا موضع التكة ويأتزر به لأنه لما فتقه صار بمنزلة الإزار وكذا إذا لم يجد نعلين وله خفان فلا بأس ان يقطعهما أسفل الكعبين فيلبسهما لحديث ابن عمر رضي الله عنه ورخص بعض مشايخنا المتأخرون لبس الصندلة قياسا على الخف المقطوع لأنه في معناه وكذا لبس الميثم لما قلنا ولا يلبس الجوربين لأنهما في معنى الخفين ولا يغطى رأسه بالعمامة ولا غيرها مما يقصد به التغطية لان المحرم ممنوع عن تغطية رأسه بما يقصد به التغطية والأصل فيه ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في