أبي بكر الكاشاني
164
بدائع الصنائع
صنف منهم يسمون أهل الآفاق وهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقت لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي خمسة كذا روى في الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم ولأهل العراق ذات عرق وقال صلى الله عليه وسلم هن لأهلهن ولمن مر بهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة وصنف منهم يسمون أهل الحل وهم الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة خارج الحرم كاهل بستان بنى عامر وغيرهم وصنف منهم أهل الحرم وهم أهل مكة اما الصنف الأول فميقاتهم ما وقت لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز لاحد منهم أن يجاوز ميقاته إذا أراد الحج أو العمرة الا محرما لأنه لما وقت لهم ذلك فلا بد وأن يكون الوقت مقيدا وذلك اما المنع من تقديم الاحرام عليه واما المنع من تأخيره عنه والأول ليس بمراد لاجماعنا على جواز تقديم الاحرام عليه فتعين الثاني وهو المنع من تأخير الاحرام عنه وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما ان رجلا سأله وقال إني أحرمت بعد الميقات فقال له ارجع إلى الميقات فلب والا فلا حج لك فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يجاوز أحد الميقات الا محرما وكذلك لو أراد بمجاوزة هذه المواقيت دخول مكة لا يجوز له ان يجاوزها الا محرما سواء أراد بدخول مكة النسك من الحج أو العمرة أو التجارة أو حاجة أخرى عندنا وقال الشافعي ان دخلها للنسك وجب عليه الاحرام وان دخلها لحاجة جاز دخوله من غير احرام وجه قوله إنه تجوز السكنى بمكة من غير احرام فالدخول أولي لأنه دون السكنى ولنا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا ان مكة حرام منذ خلقها الله تعالى لم تحل لاحد قبلي ولا تحل لاحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراما إلى يوم القيامة الحديث والاستدلال به من ثلاثة أوجه أحدها بقوله صلى الله عليه وسلم ألا ان مكة حرام والثاني بقوله لا تحل لاحد بعدي والثالث بقوله ثم عادت حراما إلى يوم القيامة مطلقا من غير فصل وروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل دخول مكة بغير احرام ولأن هذه بقعة شريفة لها قدر وخطر عند الله تعالى فالدخول فيها يقتضى التزام عبادة اظهارا لشرفها على سائر البقاع وأهل مكة بسكناهم فيها جعلوا معظمين لها بقيامهم بعمارتها وسدانتها وحفظها وحمايتها لذلك أبيح لهم السكنى وكلما قدم الاحرام على المواقيت هو أفضل وروى عن أبي حنيفة ان ذلك أفضل إذا كان يملك نفسه ان يمنعها ما يمنع منه الاحرام وقال الشافعي الاحرام من الميقات أفضل بناء على أصله ان الاحرام ركن فيكون من أفعال الحج ولو كان كما زعم لما جاز تقديمه على الميقات لان أفعال الحج لا يجوز تقديمها على أوقاتها وتقديم الاحرام على الميقات جائز بالاجماع إذا كان في أشهر الحج والخلاف في الأفضلية دون الجواز ولنا قوله تعالي وأتموا الحج والعمرة لله وروى عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما انهما قالا اتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وروى عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحج أو عمرة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة هذا إذا قصد مكة من هذه المواقيت فأما إذا قصدها من طريق غير مسلوك فإنه يحرم إذا بلغ موضعا يحاذي ميقاتا من هذه المواقيت لأنه إذا حاذى ذلك الموضع ميقاتا من المواقيت صار في حكم الذي يحاذيه في القرب من مكة ولو كان في البحر فصار في موضع لو كان مكان البحر بر لم يكن له ان يجاوزه الا باحرام فإنه يحرم كذا قال أبو يوسف ولو حصل في شئ من هذه المواقيت من ليس من أهلها فأراد الحج أو العمرة أو دخول مكة فحكمه حكم أهل ذلك الميقات الذي حصل فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم هن لأهلهن ولمن مر بهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة وروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من وقتنا له وقتا فهو له ولمن مر به من غير أهله ممن أراد الحج أو العمرة ولأنه إذا مر به صار من أهله فكان حكمه في المجاوزة حكمهم ولو جاوز ميقاتا من هذه المواقيت من غير احرام إلى ميقات آخر جاز له لان الميقات الذي صار إليه صار ميقاتا له لما روينا من الحديثين الا أن المستحب أن يحرم من الميقات الأول هكذا روى عن أبي حنيفة أنه قال في غير أهل المدينة إذا مروا على المدينة