أبي بكر الكاشاني

163

بدائع الصنائع

هو الطعن في أسفل السنام وذلك من قبل اليسار عند أبي يوسف وعند الشافعي من قبل اليمين وكل ذلك مروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يدخل بين بعيرين من قبل الرؤس وكان يضرب أولا الذي عن يساره من قبل يسار سنامه ثم يعطف على الآخر فيضربه من قبل يمينه اتفاقا للأول لا قصدا فصار الطعن علي الجانب الأيسر أصليا والآخر اتفاقيا بل الاعتبار الأصلي أولى والله عز وجل أعلم هذا الذي ذكرنا في أن الاحرام لا يثبت بمجرد النية ما لم يقترن بها قول أو فعل هو من خصائص الاحرام أو دلائله ظاهر مذهب أصحابنا وروى عن أبي يوسف أنه يصير محرما بمجرد النية وبه أخذ الشافعي وهذا يناقض قوله إن الاحرام ركن لأنه جعل نية الاحرام احراما والنية ليست بركن بل هي شرط لأنها عزم على الفعل والعزم على فعل ليس ذلك الفعل بل هو عقد على أدائه وهو أن تعقد قلبك عليه انك فاعله لا محالة قال الله تعالى فإذا عزم الامر أي جد الامر وفى الحديث خير الأمور عوازمها أي ما وكدت رأيك عليه وقطعت التردد عنه وكونه ركنا يشعر بكونه من أفعال الحج فكان تناقضا ثم جعل الاحرام عبارة عن مجرد النية مخالف للغة فان الاحرام في اللغة هو الاهلال يقال احرم أي أهل بالحج وهو موافق لمذهبنا أي الاهلال لابد منه اما بنفسه أو بما يقوم مقامه على ما بينا والدليل على أن الاهلال شرط ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها وقد رآها حزينة مالك فقالت انا قضيت عمرتي والقاني الحج عاركا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذاك شئ كتبه الله تعالى على بنات آدم حجى وقولي مثل ما يقول الناس في حجهم فدل قوله قولي ما يقول الناس في حجهم على لزوم التلبية لان الناس يقولونها وفيه إشارة إلى أن اجماع المسلمين حجة يجب اتباعها حيث أمرها باتباعهم بقوله قولي ما يقول الناس في حجهم وروينا عن عائشة رضي الله عنها انها قالت لا يحرم الا من أهل ولبى ولم يرو عن غيرها خلافه فيكون اجماعا ولان مجرد النية لا عبرة به في أحكام الشرع عرفنا ذلك بالنص والمعقول أما النص ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى عفا عن أمتي ما تحدثت به أنفسهم ما لم يتكلموا أو يفعلوا وأما المعقول فهو أن النية وضعت لتعيين جهة الفعل في العبادة وتعيين المعدوم محال ولو أحرم بالحج ولم يعين حجة الاسلام وعليه حجة الاسلام يقع عن حجة الاسلام استحسانا والقياس أن لا يقع عن حجة الاسلام الا بتعيين النية وجه القياس أن الوقت يقبل الغرض والنفل فلا بد من التعيين بالنية بخلاف صوم رمضان أنه يتأدى بمطلق النية لان الوقت هناك لا يقبل صوما آخر فلا حاجة إلى التعيين بالنية والاستحسان ان الظاهر من حال من عليه حجة الاسلام انه لا يريد باحرام الحج حجة للتطوع ويبقى نفسه في عهده الفرض فيحمل على حجة الاسلام بدلالة حاله فكان الاطلاق فيه تعيينا كما في صوم رمضان ولو نوى التطوع يقع عن التطوع لأنا إنما أوقعناه عن الفرض عند اطلاق النية بدلالة حاله والدلالة لا تعمل مع النص بخلافه ولو لبى ينوى الاحرام ولا نية له في حج ولا عمرة مضى في أيهما شاء ما لم يطف بالبيت شوطا فان طاف شوطا كان احرامه عن العمرة والأصل في انعقاد الاحرام بالمجهول ما روى أن عليا وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما لما قدما من اليمن في حجة الوداع قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم بماذا أهللتما فقالا باهلال كاهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار هذا أصلا في انعقاد الاحرام بالمجهول ولان الاحرام شرط جواز الأداء عندنا وليس بأداء بل هو عقد على الأداء فجاز ان ينعقد مجملا ويقف على البيان وإذا انعقد احرامه جاز له ان يؤدى به حجة أو عمرة وله الخيار في ذلك يصرفه إلى أيهما شاء ما لم يطف بالبيت شوطا واحدا فإذا طاف بالبيت شوطا واحدا كان احرامه للعمرة لان الطواف ركن في العمرة وطواف اللقاء في الحج ليس بركن بل هو سنة فايقاعه عن الركن أولى وتتعين العمرة بفعله كما تتعين بقصده قال الحاكم في الأصل وكذلك لو لم يطف حتى جامع أو أحصر كانت عمرة لان القضاء قد لزمه فيجب عليه الأقل إذ الأقل متيقن به وهو العمرة والله أعلم * ( فصل ) * وأما بيان مكان الاحرام فمكان الاحرام هو المسمى بالميقات فنحتاج إلى بيان المواقيت وما يتعلق بها من الأحكام فنقول وبالله التوفيق المواقيت تختلف باختلاف الناس والناس في حق المواقيت أصناف ثلاثة